د / عبدالله بن عبدالعزيز الجبرين [*]
معنى شهادة ( لا إله إلا الله ) إجمالًا: لا معبود بحق إلا الله تعالى [1] أي أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله تعالى ، فلا يجوز أن يدعى إلا الله تعالى ، ولا يجوز أن يصلى ، أو ينذر ، أو يذبخ ، إلا لله تعالى وهكذا بقية أنواع العبادة .
قال علامة اليمن الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني: ( ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية ، والبراءة من كل معبود دونه ) [2] .
فـ ( لا ) نافية للجنس . و ( إله ) اسمها ، وخبرها محذوف تقديره ( حق ) .
و ( إله ) من ( أَله ) بالفتح ، ( يأله ) ، ( إلاهه ) ، والمعنى ( عبد ) ، ( يعبد ) ،
( عبادة ) [3] .
و ( الإله ) هو المعبود المطاع ، الذي تألهه القلوب بالمحبة ، والتعظيم ، والخضوع ، والخوف ، وتوابع ذلك من بقية أنواع العبادة.
واسم ( الله ) علم على ذات الرب تعالى المقدسة ، لا يطلق إلا عليه سبحانه وتعالى ، وأصله ( إله ) حذفت الهمزة ، وعوض مكانها ( أل ) التعريف [4] .
فهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين:
الأول: ( النفي ) ، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى ، ويدل عليه كلمة ( لا إله ) فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقًا للعبادة .
الثاني: ( الإثبات ) ، وهو إثبات الإلهية لله تعالى ، ويدل عليه كلمة ( إلا الله) فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له [5] فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده ؛ لأنه الخالق ، الرازق ، المالك ، المدبر لجميع الأمور ، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعبادة شكرًا له على نعمه العظيمة عليهم ، كما سبق بيان ذلك مفصلًا عند الكلام على توحيد الربوبية .
فهذه الكلمة هي حقًا: كلمة التوحيد ، والعروة الوثقى ، وكلمة التقوى ، وفي شأنها تكون السعادة والشقاوة ، في الدنيا ، وفي القبر ، ويوم القيامة ، فبالتزامها والقيام بحقوقها تثقل الموازين ، وبه تكون النجاة من النار بعد الورود ، والفوز بجنات النعيم ، وبعدم التزامها أو التفريط في حقوقها تخف الموازين ، ويكون العذاب في القبر ، وفي يوم القيامة ، وفي نار الجحيم .
وهي حق الله على جميع العباد ، وهي أول واجب ، وآخر واجب ، فهي أول ما يدخل به العبد في الإسلام ، وآخر ما يخرج به من الدنيا [6] .
شروطها ونواقضها:
دلت النصوص الشرعية الكثيرة على أن الفوائد والفضائل العظيمة لكلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ، التي سبقت الإشارة إلى بعضها ، والتي من أهمها: الحكم بإسلام صاحبها ، وعصمة دمه ، وماله ، وعرضه ، ودخول الجنة ، وعدم الخلود في النار ، أنها لا تحصل لكل من نطق بهذه الكلمة ، بل لا بد من توافر جميع شروطها ، وانتفاء جميع نواقضها ، فكما أن الصلاة لا تقبل ولا تنفع صاحبها إلا إذا توافرت جميع شروطها: من الوضوء واستقبال القبلة وغيرهما ، وانتفت مبطلاتها ، كالكلام ، والضحك ، والأكل ، والشرب وغيرها ، فكذلك هذه الكلمة ، لا تنفع صاحبها إلا باستكمال شروطها ، وانتفاء نواقضها .
ولذلك لما قيل لوهب بن منبه: ( أليس مفتاح الجنة: لا إله إلا الله ؟ قال: بلى ، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلا لم يفتح لك ) .
ولما قيل للحسن البصري: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة ؟ قال: ( من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة ) .
ومن أجل عدم تحقق بعض هذه الشروط لم تنفع هذه الكلمة جميع المنافقين الذين نطقوا بها ، وفعل كثير منهم بعض شعائر الإسلام الظاهرة .
ويدل على وجوب توفر شروط هذه الكلمة وعلى وجوب انتفاء موانعها على وجه الإجمال قوله: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) [8] فيدخل في حقها: الإتيان بشروطها ، واجتناب نواقضها [9] .
وقد دلت النصوص الشرعية على أن لهذه الكلمة العظيمة سبعة شروط ، هي:
الشرط الأول: العلم بمعناها الذي تدل عليه ، فيعلم أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى ، قال تعالى: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ( محمد: 19 ) .
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك ، فلا بد أن يؤمن إيمانًا جازمًا بما تدل عليه هذه الكلمة من أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى فإن الإيمان لا يكفي فيه إلا اليقين ، لا الظن ولا التردد ، قال تعالى: ( إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) ( الحجرات: 15 ) .
فمن كان غير جازم في إيمانه بمدلول هذه الكلمة أو كان شاكًّا مرتابًا أو متوقفًا في ذلك لم تنفعه هذه الكلمة شيئًا .