فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 27345

سلسلة على طريق الأصالة

تقويم ما قدمه الرواد

وقراءة جديدة لكتابات الشوامخ

ظهرت في السنوات الأخيرة الكثير من المذكرات والذكريات واليوميات التي قدمها كتاب الأجيال التي تلت جيل الرواد الذي كان له الصدارة في العصور التي تلت الحرب العالمية الأولى وامتدت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي سيطر كتابها على الحياة الأدبية في البلاد العربية وكان للسياسة والصحافة الحزبية أثرها البعيد في إبرازهم وإكسابهم الشهرة المدوية في حين أنهم لم يكونوا إلا بمثابة قناطر تنقل فكر الغرب إلى محيط الثقافة الإسلامي وكانوا في أبرز مظاهرهم تحت عيونهم الأصداف، فظنوا أنها الجوهر. وآية ذلك أنهم انفصلوا عن تيار الفكر الإسلامي والأدب العربي، وربطوا أنفسهم بمطالع الزحف الغربي على بلاد المسلمين فجعلوا منطلقهم من الحملة الفرنسية وسموا جولتهم بالأسماء الإقليمية والقومية، فحالوا أن يكتبوا أدبًا مصريًا أو سوريًا أو عراقيًا، وكان قائدهم هذا أستاذ الجيل (لطفي السيد) الذي أنكر رابطتي العروبة والإسلام، وكانت الرؤى التي يتحركون في إطارها هي تلك التي رسمتها الصحف التي يصدرها المارون في مصر (الأهرام - المقطم - الهلال) ويجدون في شبلي شميل بدعوته إلى مذهب دارون، وجرجي زيدان بدعوته إلى تزييف التاريخ الإسلامي، وصروف ومكاريوس في دعوتهما إلى الماسونية وتقبل النفوذ البريطاني منطلقًا، بدأ واضحًا في كتابات طه حسين والعقاد وهيكل وسلامة موسى ومحمود عزمي وعلي عبد الرازق.

وأعطت المعركة الحزبية للفكر طابع الخصومة والجدل والهجاء المقذع وظهر هذا الجيل على الخصومة السياسية دون أن يهاجم الإنجليز أو الاستعمار بل قبل مفاهيمه في الفكر والاجتماع فكان هذا الولاء الفكري لمذاهب الغرب في الأدب والتاريخ حتى قيل أن طه حسين كان من أتباع المذهب الاجتماعي الفرنسي (دوركايم) وأن العقاد كان من أتباع المذهب النفسي (فرويد وغيره) بل قيل في الأخير أن العقاد وكان هيجلنا أي أنه تلميذ لمدرسة هيجل وهو ما وصفه به أقرب تلاميذه إليه (عبد الفتاح الديدي) .

ولقد كشفت الذكريات والمذكرات في الأخير أن هناك رابطة كانت تجمع هذا الجيل هي رابطة الانتحار فقد عرف أن طه حسين وهيكل والعقاد فكروا في الانتحار وأن بعضهم كتب عنه، كما أن بعضهم اتهم باستعمال المخدرات وأن هذا الكلام جرى طرحه في مساجلات الأدباء السياسية.

ولعل أخطر ما في هذا كله أنهم في نفس الوقت الذي كانوا يهاجمون النفوذ الأجنبي البريطاني بقوة، كانوا يؤمنون بالفكر الغربي والحضارة الغربية والمنهج الديمقراطي ولم يكن النفوذ الأجنبي يطمع في أكثر من ذلك.

وكان هذا هو منطلق مدرسة سعد زغلول التي سيطرت فكريًا وسياسيًا بعد الحرب العالمية الأولى وبعد أن انتزعت القيادة الفكرية من مصطفى كامل ومحمد فريد وعبد العزيز جاويش وأحلت مفاهيم السياسة الحزبية بديلا عن الوطنية وكلمة الاستقلال بديلا عن كلمة الجلاء.

وكان أبرز كتَّاب مصر المجددين (الذين أثاروا قضايا التغريب) في صف حزب الأحرار الدستوريين (ذوي الولاء الواضح للاستعمار) لطفي السيد وطه حسين وهيكل والمازني وعلي عبد الرازق ومحمود عزمي وفي أحضانهم ظهر أخطر كتابين في مهاجمة الإسلام:"الشعر الجاهلي"لطه حسين، و"الإسلام وأصول الحكم"لعلي عبد الرازق.

وكان الكتَّاب الرواد يقبلون مذاهب الغرب في النقد والأدب والشعر وقد حمل العقاد والمازني لواء الدعوة إلى المدرسة الإنجليزية في النقد (هازلت وغيره) بينما حمل طه حسين لواء المدرسة الفرنسية (تين وبرونتير وغيره) .

ولم يكن لدى كتاب الجيل الرائد الخبرة العميقة؛ فانخدعوا في مواقف كثيرة، خدعهم (ماكس نوردو) اليهودي خليفة هرتزل فكرموه، دون أن يعوا دوره في الصهيونية وخدعهم عباس البهاء وحفلوا به ودعوا إلى نحلته دون أن يتنبهوا إلى أخطاره وسمومه.

بل لقد كرموا في الجامعة الفيلسوف رينان وهو أكبر من حمل على الإسلام وهاجمه أشد الهجوم.

وعندما حدث الصراع بين أبناء المدرسة الحديثة لم يكن لحساب الفكر الإسلامي وإنما كان صراعًا بين (لايينيون وسكسونيون) العقاد وطه حسين - وفي مجال التعليم كان الصراع بين طه حسين وإسماعيل القباني ولاء للمدرسة الفرنسية وولاه لمدرسة ديوي وفي القصة ترجمت الكتابات الفرنسية المكشوفة، وبرز أدب الكشف والإباحة كما برزت الأسطورة.

وقد كان هؤلاء الكتَّاب في مستهل حياتهم الأدبية (في الغرب) قد تابعوا المستشرقين فهاجمه منصور فهمي النبي وزوجاته، وهاجم طه حسين ابن خلدون، وهاجم زكي مبارك الغزالي وقال محمود عزمي:"إن الاقتصاد شيء والإسلام شيء آخر"فالإسلام في نظره دين لاهوتي.

ولما تعالت صيحة اليقظة الإسلامية تقدم هذا الصف من المجددين فادعوا أنهم هم مجددوا الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت