أحمد بن عبد الرحمن الصويان*
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا رسوله.. أما بعد:
فإن المتابع للمشهد الدعوي في مختلف البلدان يلمس بجلاء مقدار التصدع والتفرق والتنازع الذي يتجذر في محاضن كثير من الدعاة يومًا بعد آخر، في وقت أجلب فيه العدو الخارجي بخيله ورجله على الأمة، وراح يعبث بعقيدتها وقيمها ومقدراتها السياسية والاقتصادية، ووجد من بني جلدتنا من أهل الأهواء من انتصر له، وفوّق سهامه لضرب الأمة من داخلها في مقاتلها، واجتهد في التربص لها في كل ميدان.
لقد أشغل كثير من الدعاة ببعضهم، وسهل على المتربصين بهم اختراقهم وإضعافهم بلا تفريق. وفي كل نازلة من تلك النوازل تتعالى أصوات الغيورين على أمتهم بضرورة التلاحم ورص الصفوف، ودرء النزاع، تحقيقًا لقول الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا) [سورة الأنفال: 46] . وفي هذه الورقة أتحدث عن: (منهج المحدثين وأثره في وحدة الصف) .
ولكن لماذا منهج المحدثين خصوصًا؟
والجواب باختصار شديد: لأن المحدثين من أكثر الناس عناية وتصدرًا للحديث في حملة العلم وطوائف الناس، وأسسوا بعملهم هذا منهجًا متميزًا محكمًا لم يسبقوا إليه، سمي بعلم (الجرح والتعديل) .
وأكثر اختلاف الدعاة وتنازعهم في هذا العصر إنما هو بسبب هجرهم لمناهج الأئمة المتقدمين، وكلام بعضهم ببعض بدون التزام منهجي، وتقصيرهم في معرفة الأحكام الشرعية الواجبة تجاه أخطاء إخوانهم. وبالتأكيد فإنني لا أعني أن نلتزم تطبيق قواعد علم الجرح والتعديل بتفاصيلها عند المحدثين في توصيف الواقع الإسلامي المعاصر والحكم على دعاته؛ وإنما أقصد بذلك إحياء القواعد الكلية التي أرى أنَّ التزامها والعمل بموجبها سيحدّ ـ بإذن الله وفضله ـ كثيرًا من أبواب التنازع والتنابذ.
وسينتظم حديثي في هذه الورقة في المباحث الآتية: المبحث الأول: شروط المتكلم في الرجال والطوائف. المبحث الثاني: ضرورة التأني والتثبت. المبحث الثالث: الإنصاف والبعد عن العصبية. المبحث الرابع: الأمانة العلمية عند المحدثين.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطل وارزقنا اجتنابه.. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
المبحث الأول
شروط المتكلم في الرجال والطوائف
الحديث في حملة العلم والدعوة شأنه عظيم، والمتصدر له متصدر لمهمة غاية في الحساسية والخطورة، والمتحدث بغير بينة متعرض لغضب الله، قال الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا) [سورة الأحزاب: 58] .
وقد اشتد نكير النبي صلى الله عليه وسلم على من أطلق لسانه عابثًا بأعراض المسلمين، فقال: (( يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه؛ تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته؛ يفضحه ولو في جوف رحله ) ) ( ) .
ولهذا وضع أئمة الحديث قواعد علمية محكمة في الشروط الواجب توافرها في الناقد المتكلم في الرجال وطوائف الناس، حتى لا يدخل في هذا العلم الجليل من ليس من أهله. ومن أهم هذه الشروط:
أولًا: العلم:
فإذا كان الناقد للعلماء والدعاة ضعيف البضاعة، قليل العلم؛ فلا يجوز له أن يتصدر لذلك على الإطلاق، ويجب عليه أن ينأى بنفسه عن هذا المعترك الصعب، فهو ليس من أهله!
قال الذهبي:"الكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورع" ( ) .
وقال السبكي في معرض حديثه عن شروط الناقد:"وممّا ينبغي أن يتفقد أيضًا: حاله في العلم بالأحكام الشرعية، فرُبَّ جاهل ظن الحلال حرامًا فجرح به، ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال" ( ) .
وكم من جاهل بدلالات الألفاظ، واصطلاحات العلوم، وقواعد الدعوة، في عصرنا الحاضر؛ يُغير على غيره من العلماء والدعاة بالجرح والثلب، ويتجاسر على النقد والحكم والتجريح والتعديل!
ولو أنه فتش وتأمل لعلم أنه أخطأ الفهم، وأساء العمل؛ ولهذا قال ابن القيم:"ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة!" ( ) .
إنَّ ثمة حقيقة ماثلة للعيان وهي أن أعراض العلماء والدعاة، ومواقف الهيئات والمؤسسات الإسلامية، أصبحت كلأً مباحًا يعبث به كل عابث، وكثير من الخلاف الحاصل بين فصائل الصحوة الإسلامية، ناتج عن تصدر بعض الجهلة لمثل هذه المرتقيات الكؤودة، وسعيهم بالقيل والقال بين أهل الفضل والدعوة.