قضية التاريخ اليوم أنه الهدف الضحية في عملية العبث الأمريكي الجاري بالبرامج التربوية في البلاد الإسلامية بقدر أوسع وأشمل وبجهد أقل مما تستهدف له البرامج الدينية بالذات ، إذ أن العبث بالبرامج الدينية يجري بتخوف وحذر شديدين ، ومن ثم ينحصر في مواضع محددة لكنها شديدة الوضوح والصلابة بحيث تتكسر فيها أصابع العابثين ، ، ويجري تطبيقه في موقع تربوي مدرسي ضيق معزول بالنسبة لميدانه الجماهيري شديد الاتساع الذي يستعصي الإمساك به على أيدي الناقمين ، أما التاريخ فيمكن"الاستفراد"به إذ أنه الضحية المنبوذة التي تم طرحها بين أيدي العلمانيين منذ عقود في غفلة من أصحابه ، فما بقي إلا الإجهاز عليه في الحلقة الأمريكية الأخيرة
إننا في معركتنا الثقافية مع الغرب وقد أعلن علينا"صراع الحضارات"- ومن ثم أعلن زحفا تدميريا غير مقدس على مناهجنا التربوية … علينا أن ندرك أننا كنا وما نزال أمام معركة صليبية متجددة أشد ضراوة وأقوى تخطيطا من جميع الحملات الصليبية السابقة ، ذلك لأن الحملة الجديدة قد استفادت من أخطاء الحملات السابقة ، فأخذت تقدم لنفسها بهذه الحرب الثقافية ، والتي كان وما يزال عساكرها من المبشرين والمستشرقين ، والمستغربين ، والتي وصلت بالفعل إلى قدر من استئصالنا ثقافيا ، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج لم تحققها الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي ، وهي نتائج لا تقل خطرا عن عملية الاستئصال التي نجحت تماما من قبل في المغرب ، في الأندلس .
وإنه لمن الغفلة التاريخية التي تصيب المسلم المعاصر أن يتوهم أن ما أعلنه الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ثم بعد دراما الحادي عشر من سبتمبر من أن عدوه هو الإسلام أن هذا توجه جديد ، ذلك أن هذا التوجه قد صاحب الاستعمار في أولى خطواته نحونا ، وإنما الجديد هو وقاحته ، وخيانته لسياسة التجميل التاريخي لوجهه القبيح ، ذلك التجميل الذي كان وما يزال يمارسه أصدقاؤه وعملاؤه في المنطقة .
ولو كان المسلمون على شيء من الوعي بتاريخهم لما اندهشوا أخيرا من انضمام الاتحاد الأوربي إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مناصبتها العداء للمقاومة الإسلامية في فلسطين ، ولما اندهشوا كذلك من انضمام أسبانيا إلى معسكر جوانتانامو الأمريكي في القبض على صحفي مسلم شهير لمحض أنه عقد لقاء مع ابن لادن الذي عقد غيره من صحفيي العالم لقاءات معه كنشاط مهني حر لهذا أو ذاك ، ولكن"تيسير علوني"هو من بينهم المسلم وتلك ثالثة الأثافي ، والبقية تأتي:إنه الإسلام ، العدو الأول للغرب ، أردنا أو لم نرد ، اعترفنا أو لم نعترف ، أدركنا أو لم ندرك ، سمعنا تصريحات الرئيس المبشر أو لم نسمع ، وآخرها أن العراق اصبح هو الجبهة الرئيسية على الإرهاب ، وهذا في قاموسه يعني على الإسلام
إن المعركة الدينية والسياسية والثقافية والتربوية الحالية تدرك أهمية التاريخ في صنع شخصية الأمة ، والمحافظة على ضميرها وذاتها وكينونتها .
نحن نذكر كيف تعلمنا ونحن صغار وفقا لمنهج تربوي تقليدي نابع من إحساس أصيل بالتاريخ … أقول تعلمنا وفقا لهذا المنهج نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحفظه ونتغنى به - بدءا من أبيه عبد الله إلى إسماعيل عليه السلام .
لم يكن هذا عبثا أو نافلة . كما لم يكن نافلة أن كان رسول الله صلى الله عليه يذكر نسبه ويؤكد عليه إذ يقول: ( خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم وخيركم أنا ) وإذ كان يقول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ) رواه مسلم . وروى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن العباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صعد المنبر فقال: من أنا ؟ قالوا أنت رسول الله ، قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، إن الله خلق الخلق ، فجعلني في خير خلقه ، وجعلهم فرقتين: فجعلني في خير فرقة ، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة ، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا ، فأنا خيركم بيتا ، وخيركم نفسا ) ، ولاشك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان راضيا أشد الرضا بإجابتهم الأولى ( أنت رسول الله ) ، ولاشك أنه لم يكن به شيء من فخر الخيلاء بإجابته الثانية ، ولكنه أراد ألا يحول ذلك بينه ومعه المسلمون جميعا وبين استحضار التاريخ ، والتذكير به .
هذا بالإضافة لما ورد بكثرة في القرآن الكريم عن أخبار الأمم السابقة ، والأنبياء السابقين .
لقد صار العلم بالتاريخ - بهذه الإشارات - فرض كفاية على الأمة الإسلامية .
وأصبح فرض عين على المشتغلين بالثقافة وتوجيه الأمة .
بل إن الحد الأدنى منه يكون فرض عين في المنهج التربوي للناشئة .
وصار الجهاد في سبيله فرض عين على المسئولين عن برامجه التربوية