(خبر سعد بن أبي وقاص وأصحابه )
قال ابن إسحاق: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّوا ذهبوا في الشعاب فاستَخْفَوْا بصلاتهم, فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة , إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون , فناكروهم , وعابوا عليهم مايصنعون حتى قاتلوهم, فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلًا من المشركين بلَحْيِ بعير فشجّه , فكان أولَ دم هُريق في الإسلام ( [1] ) .
هذا الخبر يدل على مقدار ما واجهه الصحابة رضي الله عنهم في مبدأ الإسلام من محاصرة المشركين ومتابعتهم إياهم حتى اضطروهم إلى الاستخفاء بصلاتهم في الشعاب النائية , ومع ذلك وصل إليهم المشركون فناكروهم وعابوهم وقاتلوهم .
إن محافظة هؤلاء الصحابة على دينهم وحماسهم في الدعوة إليه مع ذلك الاضطهاد الشديد من أعدائهم دليل على قوة إيمانهم وهو موقف جليل يكتب في سجلهم الحافل بالمواقف العالية .
وهكذا رأينا هؤلاء العظماء الأبطال قد اضطروا إلى الاستخفاء بأبرز شعائر دينهم وهي الصلاة, فأصبحوا يقيمونها في الشعاب والأودية خوفا من سخرية المشركين وبطشهم , ومع ذلك لم يتركوا الصلاة , فكيف بالمسلمين الذين أقيمت لهم المساجد العامرة بالمصلين المزودة بكل وسائل الراحة والنشاط ومع ذلك يهجرها طائفة من المسلمين زهدًا فيها وإيثارًا لمتاع الدنيا ولهوها؟!
إنه أمر منكر عجيب يدل على البون الشاسع بين مستوى إيمان الصحابة رضي الله عنهم وإيمان من جاء بعدهم والتفوق الواضح للصحابة في مجال الفهم والتطبيق .
كما أن هذا النص يدلنا على مستوى العزة التي ارتفع إليها المسلمون آنذاك على الرغم من ضعفهم وقلتهم حيث قام أولئك النفر بمدافعة من داهمهم من المشركين ولم يستخذوا لهم وفي ذلك إعزاز ظاهر للإسلام وتثبيت لوجوده في الأرض .
مثل من الثبات على الشدائد
( إسلام خالد بن سعيد بن العاص )
أخرج الإمام البيهقي بإسناده عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: كان إسلام خالد - يعني ابن سعيد بن العاص - قديمًا , وكان أول أخوته أسلم , وكان بدء إسلامه أنه رأى في النوم أنه وُقف به على شفير النار , فذكر من سعتها ما الله أعلم به , ويرى في النوم كأن أباه يدفعه فيها, ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بحقويه لايقع , ففزع من نومه فقال: أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق.
فلقي أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه فذكر ذلك له فقال أبو بكر: أريد بك خير , هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه , فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام , والإسلام يحجزك أن تدخل فيها وأبوك واقع فيها .
فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد فقال: يامحمد إلام تدعو ؟ فقال: أدعو إلى الله وحده لاشريك له وأن محمدًا عبده ورسوله , وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لايسمع ولايبصر ولاينفع ولايدري من عبده ممن لم يعبده .
فقال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله , فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه , وتغيب خالد , وعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه , فأتي به فأنَّبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه , وقال: والله لأمنعنك من القوت , فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به, وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلزمه ويكون معه ( [2] ) .
وهكذا هدى الله تعالى خالد بن سعيد بن العاص بتلك الرؤيا المباركة , فأخرجه بها من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد , وكان يقينه بالإسلام قويّا حيث لم يتزعزع إيمانه لما وبخه أبوه وضربه وهدده بقطع رزقه مع أن أباه كان من سادة أهل مكة الكبار , بل أعلن خالد استغناءه عن أبيه واعتماده الكامل على الله تعالى وحده , وثبت رضي الله عنه على حياة الفقر لأنه أحس بأن الإسلام هو سعادة الروح , وأيقن بأن الحياة الدنيا لاتساوي شيئًا أمام الآخرة , فلتكن الدنيا كما يريد الكفار المتسلطون حياة بؤس وفاقة على المسلمين فإن الموازين ستتبدل في الآخرة فيصبح المسلمون هم أصحاب الحياة السعيدة الخالدة , وقد تتبدل في الدنيا حينما ينتصر المسلمون وتكون لهم الدولة والهيمنة في الأرض .
مثل من الدعوة الناجحة والتضحية الخالدة
( إسلام عمرو بن عبسة السُّلَمي )
أخرج الإمام مسلم بإسناده عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة , وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا , فقعدت على راحلتي , فقدمت عليه , فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا , جُرَءَاءٌ عليه قومه .