هاني بن عبد الله الجبير 10/8/1427
تعريف الولاية:
الفصل الأول: من تثبت عليه الولاية:
من عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته بخلقه، أنّه خلق الإنسان أطوارًا وأركبه طباقًا، ونقله من حالٍ إلى حال . فهو يخرج من بطن أمه ضعيفًا، نحيفًا، وهن القوى، ثم يشب قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حدثًا، ثم مراهقًا، ثم شابًا، كما قال تعالى:"الله الذي خلقكم من ضعفٍ ثم جعل من بعد ضعفٍ قوةٍ" [الروم:54] .
وكما ابتدأ ضعيفًا فإن الله يصيّره من بعد قوّته ضعيفًا هرمًا، حتى لا يكاد يدبّر أموره، ولا يلبي شئونه، وكما قال أسامة بن منقذ وقد أعياه حمل القلم بعد ما شاخ:
فأعجب لضعف يدي عن حملها قلمًا *** من بعد حمل القنا في لبّة الأسد
وكذلك فإن الله يبتلي بعض عباده بأنواع من العاهات، كالجنون ونحوه، مما يفقد الإنسان تمييزه، ولا ريب أن هؤلاء ليسوا بأهلٍ للتصرُّف .
فمن رحمة الله تعالى أن اعتبرت الشريعة الإسلامية الولاية على الغير في حال عجزه عن النظر في مصالحه .
ونتناول في هذه الدراسة الولاية الجبريّة على الغير في الأمور الماليّة وذلك من خلال ما سيأتيك تباعًا من تمهيدٍ وفصولٍ ثلاثة . وفق الله الجميع لهداه .
تعريف الولاية:
أولًا: الولاية في اللغة:
الولاية - بكسر الواو - مصدر وَلِي، ووَلَي (1) - والثانية قليلة الاستعمال (2) - يلي وهي تعني القيام على الغير وتدبيره (3) .
وتكون الولاية بمعنى القرابة والنّصرة، والمحبة (4) . فتأتي الواو مفتوحة ومكسورة (5) .
وكلا المعنيين مراعى في الولاية: لأنّها تحتاج من الوليّ إلى التدبير والعمل .. كما تحتاج إلى نصرة المولى عليه، والنّسب دَعَامَة قويّة من دعائم تحقيق هذه النصرة (6) .
وإن كان الأوّل هو المقصود بهذا البحث .
ثانيًا: الولاية في الاصطلاح:
هي حَقُّ تنفيذ القول على الغير، شاء الغير أو أبى (7) . فيكون الوليّ من له حق القول على الغير .
وقد انتقد الشيخ مصطفى الزرقا هذا التعريف، إذ قال: (وهذا التعريف غير سديد ؛ لأنه يعرف الولاية ببيان حكمها . لا بشرح حقيقتها) أ.هـ (8) .
واختار أن يكون التعريف هو: قيام شخص كبير راشد على شخص قاصر في تدبير شئونه الشخصية والمالية (9) .
والحقيقة أن التعريف ببيان الحكم أو اللوازم الخارجية - وهو الذي يسمّيه علماء المنطق بالحد الرسمي (10) - نوع معتبر من أنواع المعرفات، فلا ضير في استعماله .
الفصل الأول: من تثبت عليه الولاية:
تثبت الولاية على الصغير، والمجنون - ومن في حكمه - والمملوك، والسفيه، فهؤلاء تثبت عليهم الولاية . ونفاذ تصرّفاتهم خاضع لعدة اعتبارات . وهناك من لا يولي عليه لكنه يُمنع من التصرف بنوع، أو أنواع من التصرفات كالمريض مرض الموت، والمفلس، وغيرهما، وهذا القسم الأخير غير داخل في بحثنا إذ أنّه لا يولي عليهم .
وسنستعرض الآن هذه الأصناف الأربعة:
أولًا: الصغير ..
الصغير في اللغة: ضد الكبير (11) .
وهو في عرف الفقهاء: من لم يبلغ من ذكرٍ وأنثى (12) .
والصغير تثبت عليه الولاية باتفاق أهل العلم (13) ؛ لقوله تعالى:"وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم" [النساء:6] .
فلمّا بين أنه لا يجوز دفع المال قبل بلوغ النكاح وإيناس الرشد دلّ ذلك على ثبوت الولاية على غير البالغ (14) .
ثانيًا: المجنون ...
المجنون في اللغة من أصابه الجنون .
والجنون استتار العقل . واختلاطه، وفساده (15) .
وهو في عرف الفقهاء: زوال العقل وفساده (16) .
وقد اتفق الفقهاء على إثبات الولاية على المجنون (17) .
وفي حكم المجنون المعتوه، ومن أصابه الخرف لكبر سنه .
فإنّ العته نوع من الجنون ؛ إذ هو زوال العقل (18) .
إلاّ أنّ الحنفية فرّقوا بينهما فجعلوا العته نوعًا مختلفًا ؛ فهو عندهم من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون (19) .
إلاّ أنه على هذا الاعتبار أيضًا فإنّ المعتوه تثبت عليه الولاية ؛ إذ أن الحنفية يلحقونه بالصبي المميّز (20) .
ثالثًا المملوك ...
المملوك تثبت عليه الولاية باتفاق (21) ؛ وذلك لعجزه ونقصان رتبته حكمًا؛ قال تعالى:"ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء" [ النحل: 75 ] .
رابعًا السَّفِيْه ...
يقال سَفِه فلان سَفَاهةً فهو سَفِيه (22) .
والسَّفَه نقص في العقل، وهو ضد الحلم (23) .
وفي الاصطلاح: خفّةٌ تبعث على العمل في المال بخلاف مقتضى العقل والشرع (24) .
وقد اختلف الفقهاء في السَّفيه هل يحجر عليه، على قولين:
القول الأول: لا يحجر على الحر البالغ . وإن كان سفيهًا . وإنّما يوقف تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم إليه ماله . وإن كان مبذرًا .
وبه قال أبو حنيفة (25) .
القول الثاني: يحجر على السّفيه مطلقًا . وبه قاله أبو يوسف ومحمد بن الحسن (26) ، وهو مذهب المالكية (27) والشافعية (28) والحنابلة (29) .
الأدلة: