بقلم؛ إبراهيم بن عبد العزيز
بسم الله الرحمن الرحيم
شيخنا الفاضل ظهرت في الآونة الأخيرة في مجتمعنا (فلسطين) فرقة تطلق على نفسها (السلفية) تعتبر الحكام الحاليين أولي أمر تجب مبايعتهم، ويحرم الخروج عليهم تحت أي ظرف، إلا إن استحلوا ترك الحكم بما أنزل الله استحلالًا قلبيًا، وينسبون هذا القول إلى أهل السنة والجماعة، وإن كل من يخالف هذا القول يعتبر خارجيًا تكفيريًا تجب معاداته والتحذير منه،فما صحة ما يدعون إليه مع بيان حكم التعامل معهم أو تكثير سوادهم؟حفظك الله تعالى، ونفع بعلمك آمين.
الحمد لله رب العالمين، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذه جماعة بدأت بالانتشار فعلًا في مجتمعنا، وقد سمعنا عنها العجب العجاب،وقد نقل لنا كثير من طلاب العلم بعض ما يدعون إليه أبرزه ما تضمنه في سؤالك حفظك الله تعالى.
وكنت أود الرد على بعض شبهاتهم التي يلبسون بها على العامة بشكل مفصل، ولكن سؤالك دفعني للرد على هذه المسألة بشكل خاص وهأنذا أرد على سؤالك ردًا موجزًا ألقي الضوء على أهم ما قعّدوا عليه قولهم مستعينًا بالله سبحانه راجيًا الأجر والمثوبة منه.
أولًا:
هذا القول بناء على مذهبهم الفاسد الذي يقضي بإخراج العمل من الإيمان، وجعل الإيمان يقوم على تصديق القلب، وإقرار اللسان، وأما العمل عندهم فهو شرط كمال وهو مذهب المرجئة الضالين المخالفين لأهل السنة والجماعة، إذ الإيمان عند أهل السنة هو قول وعمل يزيد وينقص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في العقيدة الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) .
فانظر يرحمك الله تعالى كيف جعل ابن تيمية رحمه الله هذا التعريف من أصول أهل السنة والجماعة، أي من القواعد التي يقوم عليها دينهم، وكما هو معروف في الأصول أن الشيء يعرف بما يبينه ويحده، وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن حقيقة الإيمان عند أهل السنة تقوم على ثلاثة أركان وهي عمل القلب، عمل اللسان، عمل الجوارح، فعمل الجوارح من أركان الإيمان، والركن كما هو معلوم، الجانب الأقوى الذي إذا ترك عدم الأصل وإن أتي بسائر الأركان، مثال ذلك الصلاة، فلو صلى رجل من غير ركوع مع إتيانه بسائر أركان الصلاة، لا يعتبر قد صلى لمَ؟ لأنه ترك ركنًا من أركان الصلاة، وهكذا من لم يأت بعمل الجوارح لا يعتبر مؤمنًا وإن أقر بلسانه، وصدق بقلبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنبًا كافرًا، ويعلم أنه لو قدر أن قومًا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج ولا نصدق الحديث ولا نؤدي الأمانة ولا نفي بالعهد ولا نصل الرحم ولا نفعل شيئًا من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضًا ونقاتلك مع أعدائك، هل كان يتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم؛ أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم أهل شفاعتي يوم القيامة ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك) أهـ
والمتأمل في قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يجده يرد على طائفتين من الناس، الأولى الخوارج الذين يكفرون الناس بالكبائر، الثانية المرجئة الذين يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، بل ويجعل ضلال هؤلاء معلومًا من الدين بالضرورة، أي لا يخفى على عوام أهل السنة ناهيك عن أن يخفى على خواصهم، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال: هل كان يتوهم عاقل؟! أي لا يخفى هذا الأمر إلا على من سلب الله منه العقل نعوذ بالله سبحانه من الضلال بعد الهدى.