فهرس الكتاب

الصفحة 21771 من 27345

محمد بن عبدالله الدويش

دار القاسم

أخي الشاب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد:

فقبيل أيام استقبلنا وإياك شهر رمضان المبارك , هذا الشهر أخي الفاضل يعني لدينا ولديك الكثير , وأنت شأنك شأن سائر المسلمين قد استبشرت بهذا الشهر الكريم ولاشك .

ويسرني أخي الفاضل في هذا الشهر الكريم أن أتوجه لك بأغلى ما أملك وأعز ما أقدم سالكًا سبيل المصارحة والحديث تحت ضوء الشمس .

إن المصارحة أخي الفاضل قد تكون مُرة الطعم لكن نتائجها محمودة , وقد ذقنا جميعًا مرارة التستر على العيوب , ولمسنا شؤم دفن الأخطاء باسم المجاملة. فآمل أن يتسع صدرك لسماع ما أقول .

ورع ولكن:

أخي الشاب: موقف نشاهده جميعًا في شهر الصيام: أن تجد شابًا معرضًا, غارقًا في وحل الشهوات , يتجرأ على الكبائر والمعاصي , ويتهاون في الطاعات الظاهرة , تجد هذا الشاب يتساءل عن قضايا دقيقة في الصيام . كأن يتوضأ فتنزل من أنفه قطرات من الدم دون قصد: فهل يؤثر هذا على الصيام أم لا ؟ مر في الشارع فدخل جوفه غبار فما الحكم ؟ وهو يسأل جادًا ولديه استعداد تام لتحمل تبعة السؤال من قضاء أو حتى كفارة . إن السؤال أخي الكريم عما يُشكل على المرء في عبادته مبدأ لا حق لأحد أن يرفضه , وإن وقوع المرء في معصية ليس مبررًا لعدم عنايته بالطاعة والسؤال عنها .

ولكن: ألا توافقني أن مثل هذا الشاب يعيش تناقضًا يصعب أن تجد تفسيرًا له ؟!

فلماذا يتورع هنا ويسأل ويحتاط عن أمر اشتبه عليه. بينما يرتكب عن عمد وسبق إصرار ما يعلم أنه حرام بل كبيرة من الكبائر ؟!

الانضباط العجيب:

يحتج البعض من الشباب حين تنهاه عن معصية ، أو تأمره بطاعة أنه مقتنع تمام الاقتناع لكن شهوته تغلبه وهو لا يستطيع ضبط نفسه ، وقد يبدو العذر منطقيًا لدى البعض لأول وهلة . ولكن حين ترى حال مثل هذا الشاب مع الصيام ترى منطقًا آخر.

فما أن يحين أذان الفجر حتى يمسك مباشرة عن الطعام ولو كان ما بيده هي أول لقمة لأنه استيقظ متأخرًا . ويبقى عنده مائدة الإفطار ولا يتجرأ على مد يده قبل أن يسمع الأذان وهو أثناء النهار مهما بلغ به العطش والجهد لا يفكر في خرق سياج الصوم واستباحة حماه ألا ترى أن هذا السلوك وهو سلوك محمود ولا شك يدل على أنه يملك القدرة على ضبط نفسه والانتصار على شهوته ؟ إن الصيام أخي الشاب يعطينا درسًا أننا قادرون بمشيئة الله على ضبط أنفسنا والانتصار على شهواتنا .

هل رأيت هؤلاء؟

هل تفضلت أخي الشاب أن تأتي إلى مسجد من المساجد مما رزق الله إمامه الصوت الحسن المؤثر فرأيت ذاك الجمع من الشباب الأخيار ؟ وقد عقدوا العزم على الوقوف بين يدي الله في تلك الصلاة ولو امتدت إلى السحر ، في حين ترك غيرهم صلاة الجماعة أصلًا ؟ ولو أتيت في العشر الأواخر لم تجد إلا القليل فقد توجهوا صوب البيت العتيق يبتغون مضاعفة الأجر ، وحط الوزر . في حين ترى غيرهم يقضي ليالي رمضان فيما لا يخفى عليك . ماذا لو وجه ذاك الشاب الذي يجوب الأسواق هذا السؤال إلى نفسه: ألا أستطيع أن أكون واحدًا من هؤلاء ؟ كيف نجحوا ؟ وهم يعيشون في المجتمع نفسه ولهم شهوات ، وأمامهم عوائق كما أن لي شهوات وأمامي عوائق .

ألا تطيق ما أطاقوا؟

أخي الكريم: كثير هم الشباب الذين كانوا على جادة الانحراف ، وفي طريق الغفلة يمارسون من الشهوات ما يمارسه غيرهم ثم مَنَّ الله عليهم بالهداية فتبدلت أحوالهم وتغيرت وساروا في ركاب الصالحين ومع الطائعين المخبتين . وربما كان بعضهم زميلًا لك . فكيف ينجح هؤلاء في اجتياز هذه العقبة ويفشل غيرهم ؟ ولماذا استطاعوا التوبة ولم يستطع غيرهم ؟. إن العوائق عند الكثير من الشباب عن التوية والالتزام ليس عدم الاقتناع ، بل هو الشعور بعدم القدرة على التغيير . أفلا يعتبر هذا النموذج مثلًا صالحًا له ، ودليلًا على أن عدم القدرة لا يعدو أن يكون وهمًا يصطنعه .

قبل أن تذبل الزهرة

لقد أبصرت عيناك أخي الكريم ذاك الذي احدودب ظهره ، وصارت العصا رجلًا ثالثة له وتركت السنون الطويلة آثارها على وجهه . أتراه ولد كذلك ؟ أم أنه كان يومًا من الأيام يمتلئ قوة ونشاطًا ؟ ألا تعلم أني وإياك سنصير مثله إن لم تتخطفنا المنية - وهذا أشد- وتزول هذه النضارة ، وتخبو الحيوية . فماذا أخي الكريم لو حرصنا على استثمار وقت الشباب في الطاعة قبل أن تفقده فنتمناه وهيهات .

وعن شبابه فيم أبلاه:

أخي الكريم: لا شك أنك تحفظ جيدًا قوله: { لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه } .

أخي الكريم: لنفكر مليًا واقعنا الآن فهل سنجد الإجابة المقنعة ، المنجية أمام من لا تخفى عليه خافية عن هذه الفقرة { شبابه فيما أبلاه } وهل حالنا الآن مع عمر الشباب تؤهل لاجتياز هذا الامتحان . ألا ترى أن أمامنا فرصة في اغتنام الشباب والإعداد للامتحان ؟

سابع السبعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت