الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم وبعد، فإن من المسلم به إسلاميا أن دين الإسلام دين شامل لكل مناحي الحياة لا يشذ عنه شيء، وأن المسلم مخاطب الأحكام التكليفية في مجالات حياته كاملة ولا يقتصر الأمر على مجال العبادات مثلا كما يحاول البعض أن يروج له، ومن البدهي أن المال يمثل ركيزة أساسية في حياة الأفراد والشعوب والحضارات بل لقد كان السبب في إشعال فتيل الحروب وذهاب الأرواح وتدمير الحضارات والدول، كما أنه كان سببا كبيرا في إقامة حضارات حكمت شعوبا ورقاعا واسعة من الأرض، وبسبب هذا الموقع الذي يحتله المال فمن البدهي أن يكون للشرع الإسلامي منهج وموقف إزاء كل التعاملات المالية المختلفة والمتنوعة، ومن هنا كان لزاما على علماء الإسلام أن يتعرفوا على التطورات المالية ويدرسوها دراسات متأنية ويسلطوا عليها ضوء الشرع، ليعلما مواطن الحلال من الحرام وليبينوا للأمة كي تعمل بالحلال وتجتنب الحرام.
وإن من المسائل المهمة في هذا العصر مسألة العملة الورقية وما يتعلق بها من أحكام ربما يجهل بعضها الكثيرون وفيما يلي بيان لجملة من هذه الأحكام التي ينبغي بل يجب على من يتعامل بها أن يتعلمها ليعرف متى يكون تعامله حلالا ومتى لا يكون كذلك، لكي يرضي ربه أولا ولكي يأكل اللقمة الحلال التي لا تنغص على المسلم عيشه، لأن الله ما أمرنا إلا بما فيه نفعنا وما نهانا إلا عما فيه ضرنا فطوبى لمن رشد.
أولا: تعريف العملة الورقية:
يتوجب التفريق بين مفهومي النقد والعملة , فالنقد يشمل كافة المبادلات التي تتمتع بقبول عام في الوفاء بالإلتزامات, وهو غالبًا ما يكون ناشئًا عن الإتفاق أو العادة أو العرف أو ثقة الأفراد.
أما العملة فهي نوع من أنواع النقود الحكومية وهو ما يكون لها قوة إبراء الديون وتقتصر على المسكوكات المعدنية والعملة الورقية الحكومية .
والنقد يشمل إضافة لذلك على الأوراق المصرفية المتداولة تحت مدلول ثقة المتعاملين في قدرة وملاءة البنك الذي أصدرها ,بدفع قيمتها بعملة الدولة .
أما العملة الورقية فهي التي تصدرها الحكومة وتشمل فئات معينة ومختلفة وكل فئة تحمل قيمة اسمية بدون ما يقابلها من ضمان معدني, وهي بالتالي تستمد قوتها من إرادة الدولة وثقة المتعاملين به (1) .
ثانيا: تكييف العملة الورقية:
كانت العملة قديما هي الدينار الذهب والدرهم الفضة وبهاتين العملتين كان يتعامل المسلمون بيعا وشراء، ولم تظهر العملة الورقية كبديل للدينار والدرهم إلا متأخرا حيث ترجع بداية جعلها نقودا إلزامية إلى سنة 1914م، فمن البدهي ألا يتحدث عنها فقها الإسلام وإن تكلموا عن عملة أخرى وهي المسماة بالفلوس وهي عملة نحاسية تستمد قوتها من اعتراف السلطان لها وإعطائها قيمة معينة.
هذا وقد كانت الكتب والبحوث الفقهية في بيان تكييف وأحكام العملة الورقية نادرة للغاية، ولكن بعد قيام الجامعات وبرامج الدراسات العليا ساهم هذا في إنعاش الكثير من الجوانب العلمية في المجال الفقهي والتي كان منها دراسة العملة الورقية وموطنها من الشرع.
وقد اختلف العلماء المعاصرون في تكييف العملة الورقية، وكان لهم مواقف مختلفة في مالية هذه العملة وهي مختصرة كما يلي:
القول الأول: العملة الورقية سندات ديون.
القول الثاني: عرض من عروض التجارة.
القول الثالث: ملحقة بالفلوس.
القول الرابع: ليست بمال أصلا.
القول الخامس: العملة الورقية متفرعة من الذهب والفضة
القول السادس: هي نقد مستقل قائم بذاته (2) .
والذي قرره المجمع الفقهي التابع للمؤتمر الإسلامي: هي أنها اعتبارية فيها صفة الثمينة كاملة ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامه (3) .
ثالثا: أحكام العملة الورقية:
تبعا للقرار السابق من أن العملة الورقية تقوم مقام الذهب والفضة أوجز هنا الأحكام المتعلقة بالعملة الورقية:ـ
أولا: وجوب الزكاة:
تجب في العملة الورقية الزكاة إذا بلغت نصابا، بقيمة 85 جراما من الذهب يخرج ربع العشر من مجموع ما يملك ، لأن العملة الورقية مال تام، فإذا كانت قيمة نصاب الذهب مائة ألف ريال وكان صاحب المال يمتلك هذا المبلغ ، وحال عليه الحول وهو معه فيجب عليه تزكية ماله وهو هنا ربع العشر أي ألفان وخمسمائة ريال فقط.
ثانيا: دخول الربا:
تخضع العملة الورقية لأحكام الصرف، والمقصود بالصرف هو بيع العملات بعضها ببعض، وللصرف ضوابط يجب مراعاتها وفي مخالفتها الوقوع في الربا، وهذه الضوابط وهي:
1-التقابض: إي قبض البدلين (الثمن والمثمن) قبل الافتراق بالأبدان بأن يقوم أحدهما من مجلسه أو أن يخرج من الغرفة .