د. إسماعيل محمد حنفي*
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
يطيب لي أن أقدم هذا البحث المتواضع بعنوان: (أصول وقواعد في الإتفاق والافتراق) ، مساهمةً في مؤتمر (العمل الإسلامي بين الاتفاق والافتراق) والذي يتكرَّم الإخوة الأفاضل في قسم الثقافة الإسلامية في جامعة الخرطوم بإقامته، جزاهم الله خيرًا ووفَّق سعيهم لجمع صف العاملين في الحقل الإسلامي.
وقد تناولت الموضوع من خلال ثلاثة مباحث وخاتمة كما يلي:
وقد قسمت كل مبحث إلى خمسة أو أربعة أجزاء (أولًا، ثانيًا،...)
حاولت في هذا البحث استنباط بعض الأصول والقواعد التي تساعد في جلب الاتفاق في حقل الدعوة الإسلامية، ونقصد بالاتفاق هنا وحدة الصف أي لمَ َّالشمل، وتجنُّب الشِّقاق، وقصدت كذلك رصد أصول وقواعد تعين على تجاوز حالات الانقسام والفرقة، أو التعامل معها وفق منهج شرعي حكيم.
ولا شكَّ أنَّ كل جزئية تحتاج إلى تفصيل كثير ونُقُولٍ لكلام أهل العلم، وذكرٍ لنماذج من الوقائع والأحداث، ولكن المقام لا يتسع لذلك، ويمكن أن يُوسَّع الموضوع إذا أُريد نشره بإذن الله.
ولعلِّي كذلك هدفت من خلال هذا العمل إلى تبسيط الموضوع ليكون استيعابه سهلًا لا يؤدي إلى الإغراق في التفاصيل والجزئيات، وإنَّما يُكتفى فيه بإيراد ما يسهل تذكره والعمل به.
وإني على يقين أنَّ هناك من سيضيف الكثير إلى الموضوع وفق فكرته الأساسية، كما أن النقد والملاحظات أمر وارد، أو لعلَّها تثري الموضوع بإذن الله.
المبحث الأول
لتحقيق الاتفاق واجتناب الافتراق
أولًا: البراء والولاء يدفعان البلاء
ثانيًا: إصلاح ذات البين أصل في الدين
ثالثًا: الارتفاق سبيل للاتفاق
رابعًا: لا مفارقة لأهل الإيمان إلا ببيان
خامسًا: التوافق أولى من التفارق
المبحث الأول
لتحقيق الاتفاق واجتناب الافتراق
أولًا: البراء والولاء يدفعان البلاء:
البراء والولاء أصل من أصول الإسلام، وهما مظهران من مظاهر إخلاص المحبة لله، ثم لأنبيائه وللمؤمنين.
والبراء مظهر من مظاهر كراهية الباطل وأهله. وهذا أصل من أصول الإيمان، أمَّا أهميته بالنظر للوقت الحاضر فلأنه قد اختلط الحابل بالنابل! وغفل الناس عن مميزات المؤمنين التي يتميزون بها عن الكافرين، وضَعُفَ الإيمان في قلوبهم حتى ظهرت فيهم مظاهر يكرهها المؤمن. والوا الكافرين أممًا ودولًا، وزهدوا في كثير من المؤمنين، وحطُّوا من قدرهم وساموهم سوء العذاب" ( [1] ) ."
الولاء في اللغة ( [2] ) : يدور حول النصرة والمحبة. والموالاة ضد المعاداة، والولي ضد العدو.
الولاء في الاصطلاح ( [3] ) : النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنًا. فالولاء في الله هو محبة الله ونصرة دينه ومحبة أوليائه ونصرتهم. وموالاة الكفار تعني التقرب إليهم وإظهار الوُدْ لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا.
أما البراء في اللغة ( [4] ) : فيدور حول التخلص والتباعد.
وفي الاصطلاح ( [5] ) : يعني البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.
يقول ابن سعدي ـ رحمه الله ـ:"ولما عقد الله الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى وملحدين ومشركين وغيرهم كان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين: أنَّ كل مؤمن موحِّد تارك لجميع المكفرات الشرعية تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان."
وحيث إنَّ الولاء والبراء تابعان للحب والبغض فإنَّ أصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه وأتباعهم، وتبغض في الله أعداءه وأعداء رسله" ( [6] ) ."
ويتأكد من خلال ذلك أن الولاء والبراء أصل من الأصول التي يتعامل بها المسلم، ولا يكتفي بالاعتقاد في الغالب فقط أنه تجب عليه موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.
وهو كذلك ينبغي أن يدرك أن المؤمنين أنفسهم ليسوا على درجة واحدة من الإيمان، ومن ثم في العمل التابع لذلك الإيمان فقد يقع منهم التقصير أو الخطأ، فيكون التعامل معهم بالعدل حينئذ كما قرر علماؤنا:"وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور، وطاعة ومعصية، وسُنَّة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بقدر ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له هذا وهذا" ( [7] ) .