المقدمة:
كلنا يبحث عن النجاح والسعادة . . فما هو النجاح ؟
هل النجاح هو الغنى ؟
يقول الله تعالى: [ يحسب أن ماله أخلده ] ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: [ تَعس عبد الدينار ...] ، فالذي يعيش لأجل المال وصفه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه تَعِس.. إذا تحولت الحياة إلى مال وصار هذا هو الهدف من الحياة، فهي حياة تعيسة.
لا شك أن المال هو عصب الحياة، ولا شك أن النجاح يحتاج إلى الدعم المالي، لكن فرق كبير بين من يجعل المال في يده، ومن يجعل المال في قلبه.
فالنجاح ليس هو المال، وإن كان المال يساعد على النجاح.
هل النجاح هو الشهرة ؟
وصول الإنسان إلى المنصب، إلى أن يتحدث عنه الناس.. هل هذا هو النجاح؟
كم من مشهور تعيس؟ .. كم من مشهور يَتمنّى أن يسير في الأسواق بدون مجاملات؟..كم من إنسان يظهر أمام الناس بابتسامات عريضة وكلام حلو، ولكن عندما يخلو وحده مع نفسه يبكي دمًا؟ !.. كم من مشهور في عائلة محطمة وأولاد منحرفين؟
ما هو النجاح ؟
النجاح أن ينجح الإنسان، ليس في مجال واحد، وإنما أن ينجح وبتوازن في أربع مجالات: ... ...
... ... المجال الأول: الإنجاز مع النفس
نحن نعيش في حياة فيها صراع وفيها حركة وفيها سرعة.. نحن نعيش أحيانا حياة معاناة، نعاني من أجل طلب الرزق أحيانا، نعاني من أجل الترفيه!..حتى لكي نترفّه لا بد أن نتعب !.. طبعا ليس هناك راحة حقيقية بدون نصَب ولا تعب كالراحة التي وُعدنا بها في الجنة إن شاء الله، لكن ما دمنا في هذه الحياة، فنحن نعيش في حياة تَعب، في حياة نَصَب.. حتى في علاقاتنا مع أهلنا وأولادنا نعيش أحيانا حياة تعب.
لكن أعظم معركة هي معركة الإنسان مع نفسه.. أعظم معركة هي المعركة الداخلية.. لو استطعتَ أن تنتصر على ذاتك وتعرف حقيقة نفسك، عندها تكون خطوت الخطوة الرئيسية في طريق النجاح.
التغيير: [ إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ]
الدنيا تدور والدنيا تتغير، والعالم من حولنا ليس بثابت، لكن التغيير الحقيقي هو الذي ينبع من داخل الإنسان.. مهما حاولتُ أن أغيّر هذا الإنسان، مهما حاولتُ أن أغيّر ابني، أن أغيّر ابنتي، أن أغيّر زوجتي، أن أغيّر أهلي... لا أستطيع. لن يحدث التغيير إلا إذا نبع من داخل الذات، من داخل الإنسان. وهذا معنى عميق.. دعونا نفصل فيه قليلا:
متى يحدث التغيير؟
بعض الناس لا يتغيرون إلا إذا أصابتهم مصيبة، كأن يموت لهم عزيز، أو تصيبه صدمة عاطفية... ينتظرون شيء يحدث. بعض الناس يتغيرون عندما يحدث منعطفا في حياتهم: لما يتزوج، لما يتخرج من الجامعة.وضعوا عمرا مُعيّنًا، حدثا مُعيّنًا، سببا مُعيّنًا للتّغيير.. لكن أعظم التغيير هو التغيير المقصود والواعي، النابع من تأمل الإنسان في نفسه، ومن الإرادة والشعور بالمسؤولية، وليس الذي يفرض علينا بسبب شيء يحدث في حياتنا. عندما يحدث هذا النوع من التغيير، تحدث قفزات في حياة الإنسان، لأنه ليس تغييرا بسيطا أو مؤقتا، وإنما تغيير عميق وجذريّ.. تغيير أصيل وثابت، لأنه نابع عن قناعة وإرادة وتأمل، وليس عن حدث يحدث للإنسان
قدراتك جبارة:
عندما يريد الإنسان أن يَتغيّر، يتذكر أن القدرات التي عنده جبارة، والله سبحانه وتعالى يقول: [ وإن كان مكره لتزول منه الجبال ] . إذا الإنسان قَصد وخطّط ورتّب، فله من القدرات ما يجعله يستطيع أن يُزيل الجبال، فما بالُكم بتغيير نفسه وعمل إنجازات محدودة.
من نحن ؟.. هل تعرف نفسك ؟
نحن لسنا مشاعرنا، ولا أفكارنا، لأننا نستطيع أن نُفكّر في أفكارنا، نستطيع أن نفكر في مشاعرنا، نستطيع أن نُبدّلها كيف نشاء.
إذًا نحن نختلف عن مشاعرنا، ونختلف عن أفكارنا.. من نحن إذا ؟ !
عندما يفكر الإنسان في هذا السؤال العميق، عندما يفكر ويَعي ذاته، عندما يفكر في نفسه، عندما يفهم هذا، يُدرك أن له القدرة أن يُغيّر الأفكار ويُغيّر المشاعر ويُغيّر السّلوك ويُغيّر العلاقات ويُغيّر الأهداف.. نحن نستطيع أن نتحكّم في هذه الأمور.. كثير من الناس لا يفهم هذا، ولذلك يحدث الفشل.
كثير من الناس لا يفكر أصلا في هذه المسائل، هو يتخيل أنها مفروضة عليه فرضًا.
من أين يأتينا تشكيل المشاعر والسلوك والعلاقات ؟
أصلها في بداية حياتنا.. [ كل مولود يولد على الفطرة ...]
كل إنسان يُولَد سليمًا من أيّ انحراف عقلي أو عقائدي أو سلوكي، إلا الذي ابتلاه الله تعالى بتخلّف أو غيره، لكن أنا أتكلم عن الإنسان السويّ. لو لم تحدث التأثيرات السلبية على الإنسان في نشأته الأولى لنشأ في منتهى الاستقامة، في سلوكه، في مشاعره، في عواطفه، في أحاسيسه، في أفكاره… لكن ما الذي حدث له خلال حياته؟. فكّر معي.. نحن نتصرف بطريقة مُعَيّنة لأننا أحسسنا بمشاعر معينة..