من أمارات النضج ودلائل الرسوخ لدى الصحوة اليوم الحديث عن المنهجية، وضرورة المراجعة المستمرة للواقع ونقد الذات.
ومن الميادين التي طرح الحديث كثيرًا فيها حول المنهجية: المنهجية في طلب العلم.
والحديث عن ذلك عَكَسه الواقع المتخبط في السلوك العلمي والذي أدى إلى استنزاف طاقات وقدرات فيما لاطائل من ورائه، وأدت ردود الفعل غير المتوازنة حول قضايا التمذهب والاتباع، أو القراءة المركزة المنهجية والقراءة الموسوعية، أو كتب المتقدمين والمتأخرين، أدى الإفراط في ردود الفعل إلى مواقف لاتؤدي بالضرورة إلى البناء العلمي الصحيح.
ومع التأييد لضرورة العناية بالمنهجية في طلب العلم، والنقد للأساليب المتخبطة التي تضيع الأوقات والأعمار دون بناء علمي، إلا أن ثمة قضايا تطرح باسم المنهجية بحاجة إلى مزيد مناقشة ومراجعة وتأمل، خاصة أن الحديث المفصل عن تلك القضايا ليس منطلقًا من نصوص شرعية صريحة، إنما هو نتاج تجربة بشرية متميزة لكنها لاترقى لدرجة العصمة.
ومن ذلك تحويل الوسائل إلى غايات: فالعلم مطلب شرعي وضرورة ملحة، لكن الطرق التي تؤدي إلى تحصيله -مالم تكن منصوصًا عليها بنص شرعي-ليست بالضرورة قضايا مسلمة في كل عصر وزمان ومكان، فضلًا عن أن تكون سورًا تجاوزه يعني الخلل والانحراف، ومن يتأمل المسيرة العلمية على مدى تاريخ الأمة يرى أنها لم تتوقف عند وسيلة محددة، فكان العلم يتلقى شفاهًا ويحفظ في الصدور، والكتابة لم تكن أصلًا إنما هي استثناء، ثم انتشرت الكتابة، والتأليف، والتخصص فيه، والمتون، والشروح….إلخ.
وكان العلم إنما يتلقى في المساجد، ثم بدأت المدارس بالظهور وازداد انتشارها حتى صار لها مستويات وشروط وأنظمة محددة.
وهكذا عرفت الأمة ألوانًا من التطور والتغير في أساليب الطلب والتعلم، ولم تكن الأساليب يومًا ما حكرًا على أسلوب أو طريقة محددة.
فلتكن الوسيلة وسيلة والغاية غاية.
وحين تبقى الوسيلة دون منزلة الغاية، فإن عرف أهل بلد أو قطر وطريقتهم في التعلم ولو سادت وورثتها الأجيال ليست هي المقياس والمعيار للتعلم، وليست هي المنطلق الوحيد للمنهجية، فالعلم أكبر من أن تحصره تجربة محدودة بحدود الزمان والمكان.
واليوم ونحن نعيش متغيرات عدة في هذا العصر تتمثل في انتشار مستوى التعليم وتدني الأمية، وهذا التعليم اختصر خطوات عدة على المتعلمين، هل نحن بحاجة إلى نبدأ بهؤلاء من الصفر، أو نلقنهم ماحفظوه في مراحل التعليم الأساسي، أم نبدأ من مرحلة لاحقة؟
والعصر الذي نعيشه اليوم عصر انفجار معرفي هائل، جعل من أسس التفكير الصحيح في قضايا العصر والتعامل معها إدراك قدر من العلوم والمعارف لم تكن ضرورية في وقت مضى، وأتاحت الوسائل الحديثة المعاصرة أساليب في البحث وحفظ المعلومات واسترجاعها، وطرقًا للطباعة، والاتصال السمعي والبصري الذي يتجاوز حدود المكان القريب ويحول العالم إلى قرية واحدة، وهو عصر يفرض على الأمة تحديات حضارية جسام إن هي أرادت أن يكون لها موطيء قدم في التاريخ المعاصر فضلًا عن أن تكون رائدة وسباقة وقائدة.
إن ذلك كله لايعني رفض المطالبة بالمنهجية، لكنه يطرح مطلبًا ملحًا بضرورة التفكير من جديد في أساليب تلقي العلم والتعلم، ومراجعة الأساليب لاتعني الخلل في المنهج والانحراف عنه.