فهرس الكتاب

الصفحة 7089 من 27345

الدعاء سلاح المؤمن ... ... ...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، وبعد:

فالدعاء طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، ومفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، به تُستجلب النعم، وبمثله تُستدفع النقم. ما أشد حاجة العباد إليه، وما أعظم ضرورتهم إليه، لا يستغني عنه المسلم بحال من الأحوال.

والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه.

وأمرٌ هذا شأنه حريٌ بالمسلم أن يقف على فضائله وآدابه، نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الدعاء وصالح الأعمال.

فضائل الدعاء

للدعاء فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، ويكفي أنه نوع من أنواع العبادة، بل هو العبادة كلها كما أخبر النبي بقوله: { الدعاء هو العبادة } [رواه الترمذي وصححه الألباني] . وترك الدعاء استكبار عن عبادة الله كما قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] ، وهو دليل على التوكل على الله، وذلك لأن الداعي حال دعائه مستعين بالله، مفوض أمره إليه وحده دون سواه. كما أنه طاعة لله عز وجل واستجابة لأمره، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] .

وهو سلاح قوي يستخدمه المسلم في جلب الخير ودفع الضر، قال: { من فُتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سُئل الله شيئًا يُعطى أحب إليه من أن يُسأل العافية، إن الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء } [رواه الترمذي وحسنه الألباني] .

وهو سلاح استخدمه الأنبياء في أصعب المواقف، فها هو النبي في غزوة بدر عندما نظر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر استقبل القبلة ثم رفع يديه قائلًا: { اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض } فما زال يهتف بالدعاء مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه وألقاه على منكبه ثم التزمه من ورائه وقال: ( يا نبي الله، كفاك منشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك ) [رواه مسلم] .

وها هو نبي الله أيوب عليه السلام يستخدم سلاح الدعاء بعدما نزل به أنواع البلاء، وانقطع عنه الناس، ولن يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، وهو في ذلك كله صابر محتسب، فلما طال به البلاء دعا ربه قائلًا: وَأيُوبَ إذ نَادى رَبَهُ أنّي مَسَنِىَ الضُرُ وَأنتَ أرحَمُ الرّاحِمِينَ (83) فَاستَجَبنَا لَهُ فَكَشَفنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ [الأنبياء:84،83] .

والدعاء سبب لتفريج الهموم وزوال الغموم، وإنشراح الصدور، وتيسير الأمور، وفيه يناجي العبدُ ربّه، ويعترف بعجزه وضعفه، وحاجته إلى خالقه ومولاه، وهو سبب لدفع غضب الله تعالى لقول النبي: { من لم يسأل الله يغضب عليه } [رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني] . وما أحسن قول الشاعر:

لا تسألن بني آدم حاجة *** وسلِ الذي أبوابُه لا تحجبُ

الله يغضب إن تركت سؤاله *** وبني آدم حين يسأل يغضبُ

وهو سلاح المظلومين ومفزع الضعفاء المكسورين إذا انقطعت بهم الأسباب، وأغلقت في وجوههم الأبواب، يقول الإمام الشافعي:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه *** وما تدري بما صنع الدعاءُ

سهام الليل لا تخطي ولكن *** له أمدٌ وللأمد انقضاء

آداب الدعاء

للدعاء آداب كثيرة يحسن توافرها لتكون عونًا بعد الله على إجابة الداعي، ومن هذه الآداب:

1 -افتتاح الدعاء بحمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة على النبي:

لحديث فضالة بن عبيد قال: بينما رسول الله قاعدًا إذ دخل رجلٌ فصلّى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني. فقال رسول الله: { عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصلِّ عليّ ثم ادعه } . ثم صلّى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله، وصلى على النبي ، فقال له النبي: { أيها المصلي ادع تُجب } [رواه الترمذي وصححه الألباني] .

2 -الإعتراف بالذنب والإقرار به:

وفي هذا كمال العبودية لله تعالى، مثلما دعا يونس عليه السلام: فَنَادى فِي الظُلُمَاتِ أن لآ إلَهَ إلآ أنتَ سُبحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَالٍِمِينَ [الأنبياء:87] .

3 -الإلحاح في الدعاء والعزم في المسألة:

لقول النبي: { إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له } [رواه البخاري ومسلم] .

4 -الوضوء واستقبال القبلة ورفع الأيدي حال الدعاء:

فهذا أدعى إلى خشوعه وصدق توجهه، فعن عبدالله بن زيد قال: ( خرج النبي إلى هذا المصلي يستسقي فدعا واستسقى، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه ) . ولحديث أبي موسى الأشعري لما فرغ النبي من حنين، وفيه قال: فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: { اللهم اغفر لعبيد بن عامر } ورأيت بياض أبطيه. [رواه البخاري ومسلم] .

5 -خفض الصوت والإسرار بالدعاء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت