فهرس الكتاب

الصفحة 10656 من 27345

الأستاذ/ أنور الجندي

لم يعد هناك مفر من أن يتقدم كتاب ومفكرو الأمة الإسلامية بتصوراتهم للمشروع الحضاري الإسلامي الذي أصبح ضرورة ملحة بعد أن مر المسلمون والعرب خلال السنوات الأخيرة بهذه التحديات الخطيرة التي واجهتهم والأخطار التي حاصرتهم مما يتطلب وضع تصور أصيل مستمد من مفهوم الإسلام الجامع ليكون نبراسًا للخطوات المتصلة على طريق الأصالة والعودة إلى المنابع وإقامة معاصرة في دائرة الأصالة يكون فيها (البناء على الأساس) وليكون هذا المشروع الحضاري الإسلامي بديلًا للمشروع الحضاري الوافد الذي حاول السيطرة على مقدرات المسلمين والعرب خلال قرن ونصف قرن من الزمان بعد أن ثبت عجزه عن العطاء وفشله في تحقيق الأمن النفسي والمجتمع الرباني .

ولقد أقام الإسلام منهجه الأصيل على أساس وحدة الفكر الجامع التي توسع دائرة الالتقاء والتعارف وتضيق دائرة الخلافات حتى تصل الإنسانية إلى عصر التراحم والوفاء من خلال المنهج الرباني الذي رسمه الحق تبارك وتعالى بديلًا للمنهج البشري القائم على الصراع والقتال وإثارة الأحقاد والخصومات والمطامع على النحو الذي نراه اليوم .

والذي يتطلع دعاته إلى شق القوى المجتمعة وتدمير الروابط والتي تستهدف أساسا تحويل الكيان الإسلامي الكبير إلى كيانات وكانتونات متصارعة وذلك بإيقاظ الخلافات المذهبية والتفرقة العرقية .

والواقع أنه لا سبيل لأي مشروع حضاري علماني أو قومي أو بشري أن يمكن لقيام الأمة القادرة على حمل رسالة الحق تبارك وتعالى للعالمين ، إلا إذا استمد مفاهيمه من الأصل الأصيل الخالد: النص الموثق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي جمع مختلف القيم الربانية العليا التي وهبها للبشرية (القرآن الكريم) والسنة الشريفة .

ومن هنا فلا بد أن يكون المنطلق الحقيقي من القرآن والسنة على النحو الذي بدأت به النهضة الأولى إيمانًا بأن القرآن كتاب البشرية الخالد الصالح لكل زمان ومكان والذي هو الينبوع الذي تنطلق منه المناهج والخبرات التي تمكن المسلمين خاصة (والبشرية عامة) من جني الثمار من خلال مخاطبة العقل والقلب والوجدان .

ومن هذا المنطلق يمكن تأصيل كل المنظمات القائمة وردها إلى منابعها: منظمة الانتماء ، ومنظمة المجتمع ، ومنظمة التعامل الخارجي مع الغير وتكامل المجتمع الداخلي وتصحيح مسار الاقتصاد ورفض النظام الربوي ووضع المرأة في مكانها الطبيعي عمادًا للأسرة والمجتمع وبناء التعليم على أسس التربية الإسلامية وتوجيه أدوات الترفية والتسلية نحو الوجهة السليمة التي تحقق هدف الترويح دون الدخول في دائرة الانحراف والتبذل وحماية الوجود الاجتماعي كله من الانحراف الأخلاقي ومن الفساد والفحشاء والإثم كله .

ولما كان الإسلام يمتلك قوة رائعة لا يمتلكها إلى منهج بشري أو أيدلوجية أخرى ؛ تلك هي الوسطية: وسطية التوازن والتكامل والمواءمة بين القيم بحيث لا يوجد من خلال ذلك أي صراع طبقي أو حصون بين الأجيال أو تضارب بين الآباء والأبناء .

هذا التكامل الجامع في الإسلام إنما يمثل ظاهرة حية نابضة بالقوة تمثل تكامل الفكر والوجدان ، وتكامل العقل والروح ، وتكامل الأصالة والمعاصرة ، تكامل النظرية والتطبيق ، تكامل الثوابت والمتغيرات هذا التكامل يفرض مسؤولية خطيرة على الفكر الإسلامي وهي أن تقف موقف المراجعة الواسعة للفكر المادي الغربي والفكر الروحي الشرقي باعتبار أم كل منهما يمثل (انشطارية) لاتحقق سلامة النظرة حيث تقف النظريات موقف التجزئة بينما يتميز الإسلام والإسلام وحده على جميع النظريات والأيدلوجيات والمذاهب في الشرق والغرب وفي القديم والجديد بكمالية النظرة والتوجه .

ويجب أن يكون واضحًا أمام الأمة الإسلامية أن التجربة الغربية بشطريها قد انتهت إلى الفشل وأن المسلمين لا يأخذون نظم الآخرين ولكنهم يستفيدون من الأنظمة والوسائل فيصهرونها في بوتقة فكرهم ويحولونها إلى مواد خام ينتفعون بها دون أن تحاصرهم أو ينصهروا فيها .

إن المشروع الحضاري الإسلامي يقوم على أساس الوحدة الثقافية بين كل العناصر التي تستظل بلواء الأمة الإسلامية انطلاقًا من رسالات السماء التي جاء الإسلام خاتمًا لها فأحسس ثقافته وقيمه ومعالمه التي هي بالنسبة للمسلمين دين وعقيدة وبالنسبة لغير المسلمين ثقافة وفكر لأنها تقوم على أساس التوحيد والإخاء الإنساني والالتزام الاخلاقي والمسؤولية الفردية .

ذلك أن رسالة الإسلام منذ جاءت فقد صهرت كل قيم الأديان واخلاقياتها في منظور جامع واحد قوامه اللغة العربية وقد جمع القرآن الكريم أصول رسالات السماء كلها من صحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت