فهرس الكتاب

الصفحة 5044 من 27345

البعث بعد الموت ...

اقتضت حكمة الله عز وجل ، أن يقضي على الخلق بالفناء ، حتى إذا خلت الأرض من ساكنيها ، والسماوات من قاطنيها ، إلا من أراد الله بقائه ، أذن سبحانه للحياة أن تعود ، فيأمر السماء أن تمطر مطرا تنبت به الأجساد الميتة ، فتعود إلى سابق عهدها أجسادا كاملة ، بعد أن تحولت إلى رميم ، واختلط دمها ولحمها بتراب الأرض ، إلا أن المطر لا يبعث فيها الحياة ، فيأمر الله عز وجل بالنفخ في الصور فتحيا تلك الأجساد وتنبعث من قبورها ، وقد صور القرآن هذا المشهد تصويرا بليغًا ، فقال سبحانه: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ } ( يّس:51) والأجداث هي القبور ، وينسلون: أي يسرعون ، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن هذا الحدث فقال: ( ما بين النفختين أربعون ... ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب - وهو عظم يوجد أسفل العمود الفقري - ومنه يركب الخلق يوم القيامة ) رواه البخاري و مسلم .

ثم يساق الخلق بعد خروجهم من قبورهم حفاة عراة غرلا - غير مختونين - إلى أرض المحشر ، وهي أرض بيضاء ، ليس فيها ما يختفي الإنسان وراءه ، ولا ما يتوارى عن الأعين فيه . وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أرض المحشر ، فقال: ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقي - الدقيق - ليس فيها مَعْلم - علامة - لأحد ) رواه البخاري و مسلم .

فتأمل أخي الكريم عظم ذلك اليوم وما فيه من المخاوف ، فمع ما عليه الناس من فزع الخروج من قبورهم ، فإنهم يعاينون أهوال ذلك اليوم ، من انشقاق السماء ، وتساقط النجوم ، وذهاب الشمس والقمر ، فيا لها من أحداث عظيمة ومخاطر جسيمة ، تبلغ القلوب من معاينتها الحناجر ، ولا تفكر في شيء إلا فيما هي مُقْدِمة عليه ، فحري بالعاقل الموفق أن يعمل لذلك اليوم قبل أن يدهمه الموت ، ويصبح رهينًا بعمله ، نسأل الله السلامة والعافية .

وتتفاوت مراتب الناس ومنازلهم يوم الحشر تفاوتا كبيرًا ، فمنهم الذين يحشرون على وجوههم ، عميًا وبكمًا وصمًا ، وهؤلاء هم الكافرون ، قال تعالى: { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } ( الإسراء: من الآية97 ) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه ؟ قال: ( أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ) رواه البخاري و مسلم .

أما المؤمنون فهم وفد الله عز وجل يحشرون مكرمين منعمين ، قال تعالى: { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا } (مريم:85)

هذا عن كيفية خروج الخلق من قبورهم ، وكيفية حشرهم ، أما الأدلة على حقيقة البعث بعد الموت فقد تنوعت وتعددت في كتاب الله عز وجل ، ليكون الإيمان به أوقع في النفوس ، ولتعظم الحجة على الكافرين .

فتارة يقسم سبحانه بنفسه العلية على إثبات البعث ، فيقول: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (التغابن:7)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت