د. محمد عمر دولة*
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد، فإنَّ الإخلاصَ أساسُ الأعمالِ وسبيلُ النجاحِ في الدنيا والفلاحِ في الآخرة؛ فلا تُقبَل الأعمالُ، ولا تُصلَح الأحوالُ؛ إلا بالإخلاصِ للهِ ربِّ العالمين. ولكنْ ما هو الإخلاص؟
[1] إنَّ الإخلاصَ كلمةُ التوحيد التي تتفرَّعُ منها فروعُ الخيرِ كلُّها، كما قال الله عزَّ وجل: (ألم ترَ كيف ضربَ اللهُ مثلًا كلمةً طيِّبةً كشجرةٍ طيِّبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء تُُُُُُُُُؤتي أُكلَها كلَّ حِينٍ بإذن ربِّها) . [1] قال القرطبي:"قال ابن عباس: الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة: المؤمن... فيجوز أن يكون المعنى: أصلُ الكلمة في قلبِ المؤمن وهو الإيمانُ شبَّهَهُ بالنخلةِ في المَنبَت، وشبَّهَ ارتفاعَ عَملِه في السماء بارتفاعِ فُروعِ النخلةِ، وثوابَ الله له بالثمر". [2]
[2] ولعل الدلالة اللغوية للإخلاص تتفقُ مع المعاني الاصطلاحية التي ذكرها العلماءُ عليهم رحمة الله في تعريف الإخلاص؛ إذْ إنَّ لفظَ (الإخلاص) يدور في اللغةِ على (التنقية) و (التهذيب) ، كما قال ابنُ فارس:"الخاءُ واللامُ والصادُ أصلٌ واحدٌ مُطَّرِدٌ، وهو تنقيةُ الشيءِ وتهذيبُه". [3] وفي الاصطلاحِ تدورُ غالِبُ عِباراتِ العلماءِ كذلك مع اختلافِ الألفاظِ على أنَّ الإخلاصَ توحيدُ اللهِ تعالى، وتنقيةُ القلبِ مِن حُظوظ النفسِ، والعملِ من مُلاحظةِ الناس. فقد جمعَ تعريفُ الإخلاصِ أساسًا عَقَدِيًّا ونَفسيًّا واجتِماعيًّا.
[3] فأما كونُ الإخلاصِ توحيدًا لله تعالى: فقد قال القشيري رحمه الله:"الإخلاصُ إفرادُ الحقِّ سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعتِه التقرُّبَ إلى الله سبحانه دون شيءٍ آخر: من تصنُّعٍ لمخلوقٍ، أو اكتساب صفةٍ حميدةٍ عند الناس، أو محبة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرُّب إلى الله تعالى... وقال أبو عثمان الحِيري: الإخلاصُ نسيانُ رُؤيةِ الخَلْقِ بدوامِ النَّظرِ إلى الخالِق، وقيل: الإخلاصُ ما أُريد به الحقُّ سبحانه وقُصِد به الصِّدقُ". [4] فهذا ما يتعلقُ بالتوحيد.
[4] وأما تصفيةُ القلبِ مِن حُظوظ النفسِ، فالمرادُ منه أن لا يكونَ للنفسِ نصيبٌ في الأعمال؛ بحيث يتخلَّصُ مِن كلِّ شائبةٍ، كما قال"أبو عثمان النهدي: الإخلاصُ ما لا يكون للنفسِ فيه حَظٌّ بحالٍ، وهذا إخلاصُ العوام، وأما إخلاصُ الخواص فهو ما يجري عليهم لا بهم؛ فتبدو منهم الطاعاتُ وهم عنها بمعزل ولا يقع لهم عليها رؤيةٌ ولا بها اعتدادٌ، فذلك إخلاصُ الخواص. وقال أبو بكر الدقاق: نقصانُ كل مُخْلِصٍ في إخلاصِه رؤيةُ إخلاصِه؛ فإذا أراد الله تعالى أن يخلص إخلاصه سقط عن إخلاصِه رؤيتُه لإخلاصِه؛ فيكون مُخلَصًا لا مُخلِصًا... وقال ذو النون المصري: ثلاثٌ من علامات الإخلاص: استواءُ المدحِ والذم، ونسيانُ رؤية الأعمال في الأعمال، ونسيانُ اقتضاءِ ثوابِ العملِ في الآخرة، قال سهل بن عبد الله: لا يعرف الرياءَ إلا مُخلِصٌ... وقال حذيفة المرعشي: الإخلاصُ أن تستويَ أفعالُ العبد في الظاهر والباطن... وقيل: الإغماضُ عن رؤيةِ الأعمال... وقال الجنيد: الإخلاصُ سرٌّ بين اللهِ والعبدِ، ولا يعلمه ملَكٌ فيكتبه، ولا شيطانٌ فيُفسده، ولا هوى فيُميله. وقال رويم: الإخلاصُ من العمل هو الذي لا يريد صاحبه عليه عِوَضًا في الدارين ولا حظًّا من الملَكين. وقيل لسهل بن عبد الله: أيُّ شيءٍ أشدُّ على النفس؟ فقال: الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب". [5] وهذا ظاهرٌ في التخلُّص من حظوظِ النفسِ.
[5] وأما تنقيةُ العملِ من مُلاحظةِ الناس: فالمرادُ به أن لا يكون الغرضُ إرضاءَ الناسِ وكسبَ مدحِهم وإعجابِهم، كما قال القشيري:"يصحُّ أن يُقال: الإخلاصُ تصفيةُ الفعلِ عن مُلاحظةِ المَخلوقين... سمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الإخلاصُ التَّوقِّي عن مُلاحظةِ الخلقِ، والصِّدقُ التَّوقِّي عن مُلاحظةِ النفس؛ فالمخلصُ: لا رياءَ له، والصادقُ: لا إعجابَ له... وقال ذو النون المصري: الإخلاصُ ما حُفِظَ مِن العدوِّ أن يُفسِدَه، يقول السَّرِي السقطي: مَن تزيَّنَ للناسِ بما ليس فيه؛ سقطَ من عَينِ الله تعالى... وسئل بعضُهم عن الإخلاص فقال: أن لا تُشهِدَ على عملِك غيرَ الله عزَّ وجلَّ". [6] وهذا القسمُ الثالثُ هو المعنى المشهورُ المُتبادرُ من معاني الإخلاص.
[6] ولكنْ لا يخفى أنه لا يمكن الفصلُ بين هذه الأُسُسِ الاصطلاحية الثلاثة التي يقوم عليها الإخلاصُ؛ باعتبارِه توحيدًا للهِ تعالى، وتنقيةً للقلبِ مِن حُظوظ النفسِ، والعملِ من مُلاحظةِ الناس؛ إذ لا يمكنُ فصلُ البُعدِ الاعتقادي في ديننا عن البعد النفسي والاجتماعي إلا من الناحية النظرية.