فهرس الكتاب

الصفحة 12211 من 27345

بناء مناهج التعليم والثقافة على قاعدة الأصالة

الأستاذ أنور الجندي

تدرس جامعاتنا ومدارسنا وكلياتنا في العالم العربي كله وفي العالم الإسلامي الأوسع، دراسات الطب والفلسفة والاقتصاد والعلوم السياسية والعلوم الفيزيائية والتاريخ وعلم النفس والاجتماع، دون أن تشير بحرف واحد إلى الخخلفية التاريخية الإسلامية المصدر، أو إلى المراحل التي قطعها الفكر الإسلامي في بناء هذه العلوم وتنميتها، فلا يعرف الشباب العربي والمسلم أن أجدادهم كان لهم دور خطير في بناء هذه المناهج والعلوم، ودون أن يعرفوا وجهة نظر الفكر الإسلامي والثقافة الغربية في مختلف هذه العلوم والدراسات.

وكل ما يدرس في الجامعات ليس في الحق إلا نظريات الفكر الغربي التي تشكلت منذ أوائل عصر النهضة الأدبي في مختلف تطوراتها بين المناهج الرأسمالية والمناهج الاشتراكية، ولا تمثل تلك الدراسات في الحق إلا تاريخًا لمراحل تطور هذه النظريات وهذه الفلسفات وجوانب نقصها والإضافات التي تجددت عليها، وأوجه الصراع بين العصور والفلاسفة وبين المذاهب المختلفة المتعارضة... وهذا كله إنما يمثل تاريخ أوربا والغرب ونظريات أوربا والغرب التي لم يشارك العالم الإسلامي ولا الأمة العربية فيها، والتي حين تقدم إلينا الآن لتكون مادة الدراسة في جامعاتنا إنما تكشف عن عزلة واختلاف واضح بين مجتمع ومجتمع، وفكر وفطر، وعصر وعصر، وتشكيل نفسي وذاتي ووجداني متباين جد التباين.

الفكر الإسلامي أضاف إضافات أساسية إلى الفكر الحديث:

وليس هناك اعتراض على أن ندرس النظريات والمذاهب والأنظمة العالمية في مجال الاقتصاد والسياسة والاجتماع والنفس والتربية، ولكن:

يجب أن تكون هناك ثلاث مقدمات واضحة في نفس الشباب العربي المثقف.

أولًا: أن هذه وجهات نظر وليست قوانين مسلمة.

ثانيًا: إنها وجهات نظر الغرب عن تجارب نبعت من محيطه ومجتمعه.

ثالثًا: إن لفكرنا العربي الإسلامي"وجهات نظر"في مختلف هذه القضايا قد تختلف عن وجهة نظر الفكر الغربي.

رابعًا: إن الفكر الإسلامي قد قدم لهذه المناهج جميعًا"أوليات"وإضافات بناءة حية.

فإذا استوى أمام المثقف العربي الفهم العميق واليقين الأكيد من أن فكر أمته قد ساهم في هذا الفكر الأوربي الذي فرض نفسه على كل ثقافات البلاد التي خضعت للثقافات الغربية فإن من شأن ذلك أن يمنحه شيئًا كبيرًا من الثقة والإحساس على أنه قادر في مرحلة قريبة أن يدرس - إى جانب وجهة نظر الغرب في مختلف قضايا السياسة والاجتماع والاقتصاد والنفس والتربية - وجهة نظر فكرة العربي الإسلامي الذي يستمد مقوماته أساسًا من رصيد الأمة العربية ومن القرآن الكريم ومن الإسلام، وإنه قد استوى للمسلمين والعرب منذ وقت بعيد منهج فكر ومنهج حياة يختلف إلى حد بعيد وفي مسائل أساسية وجذرية مع الفكر الغربي.

ولعل أبرز ما يقدم في هذا المجال هو القول بأن الحلول الجذرية لمعضلات العصر وأزمة الحضارة والمجتمع الحديث: هذه الحلول يقدمها (الفكر الإسلامي) على نحو جامع بين المثالية والواقعية، وقي مقدمة ذلك قضية القضايا وهي ما تختلف فيها الأيديولوجيات الماركسية والغربية.

قضية الفرد للمجتمع والمجتمع للفرد:

وأنه قد وضع منذ خمسة عشر عامًا قاعدة بناءة في هذا المجال حين ربط بين الفرد والمجتمع وجعل المجتمع في خدمة الفرد، والفرد في خدمة المجتمع.

وفي قضايا: التفرقة العنصرية، والعدل الاجتماعي والإخاء الإنساني والوحدة وتقارب القوميات وضع الفكر الإسلامي - مستمدًا من القرآن - قواعد ونظمًا ما تزال البشرية في أشد الحاجة إلى التعرف عليها.

فإذا استعرضنا مثلًا: دراسات الطب والعلوم الفيزيائية فإن دور العرب والمسلمين بالغ الأثر، فالمسلمون هم الذين وضعوا أساس (أساس الالمنهج العلمي التجريبي) بعد أن تخلصوا من الفلسفة النظرية اليونانية، وإنهم صححوا نظريات الإغريق في الفلك والبحار ورفضوا السحر والخرافة وأقاموا بناءً علميًا في هذه المجالات وخاصة في مجال الطب، وفرقوا بين الفلسفة الرياضية والطبيعية، وأتاحوا لها فرصة النماء، بينما عارضوا (الفلسفة الإلهية) التي تتعارض مع مفاهيمهم في التوحيد والنبوة، وأنشأوا فلسفة مؤمنة تدور في فلك الإيمان بالله تبارك وتعالى بعيدًا عن شطحات الإلحاد ومغريات الإباحة.

والفكر الإسلامي له قوانينه الخاصة ونظمه المتميزة في مجال العلوم السياسية والاقتصادية والتاريخ وعلم النفس بما ثدمه الماوردي والفارابي وابن خلدون والبيروني والغزالي وابن سينا: هذه الآراء والمفاهيم التي صهرها فلاسفة الغرب في علومهم ودراساتهم وصاغوها صياغة جديدة فعزلوها عن مصادرها الإسلامية المرتبطة بالتوحيد. (نقبل فكر ابن سيما والفارابي العلمي والطبي ونرفض فكرهما الفلسفي) .

وفي مجال الثقة والتشريع والقانون كان للفكر الإسلامي القدح المعلي في نظريات ما تزال حتى الآن بكرًا وما تزال منارًا يهتدى به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت