المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الله تعالى فرض الحج على المستطيع بقوله تعالى: ? وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? [آل عمران: 97] .
وجعله النبي- عليه الصلاة والسلام- ركنًا من أركان الإسلام، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" (1) .
وركن الحج مفروض في العمرة مرة واحدة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا"فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت. حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتم" (2) ."
ولما كان الحج مفروضًا في العمر مرة واحدة، فهل يجب أداؤه على الفور ويكون في أول سنة للمكلف إن وجدت الاستطاعة، بمعنى: إن أخره عن أول وقت بعد الإمكان يأثم؟
أو أنَّ وجوبه على التراخي فله تأخيره عن أول أوقات الإمكان فيؤديه إن كان مستطيعًا في أول العمر أو في وسطه أو في آخره، بمعنى: أن يؤديه في العمر متى أراد ذلك؟
وهذا ما سأذكره في هذا البحث في هذه المسألة وهي: (الفور والتراخي في الحج) .
سائلًا المولى عز وجل التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.
أولًا: تعريف معنى الفور والتراخي:
الفور: (هو استعمال الشيء بلا مهلة، ولكن على أثر ورود الأمر به، والتراخي: تأخير إنفاذ الواجب) (3) .
وقيل: (الفور: الشروع في الامتثال عقب الأمر من غير فصل، والتراخي: تأخير الامتثال عن الأمر زمنًا يمكن إيقاع الفعل فيه صاعدًا) (4) .
إذًا: فالفور: التعجل في إيقاع الفعل، والتراخي التأخير في إيقاعه، وعدم تحديد وقت بعينه.
ثانيًا: أقوال الفقهاء في هذه المسألة:
اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول: إنه يجب أداء الحج على الفور، وإلى هذا القول ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة (5) ومالك (6) وأحمد (7) وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية (8) وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم (9) .
القول الثاني: إنه يجب على التراخي، وإلى هذا القول ذهب الإمام الشافعي (10) والأوزاعي (11) ومحمد بن الحنفية (12) وغيرهم (13) .
ثالثًا: أدلة أقوال الفقهاء:
1 ـ أدلة القول الأول: استدل القائلون بالفور بأدلة من الكتاب ومن السنة ومن أقوال الصحابة، وهذه الأدلة هي: -
-من الكتاب، قول الله تعالى: ? وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا? [آل عمران:97] وقوله تعالى: ? الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ? [البقرة:197] .
ـ من السنة ،حديث علي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
"من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا" (14) .
وعن ابن عباس- رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعارض له" (15) .
"من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا" (16) .
وإنما شبهه باليهودي والنصراني، وشبّه تارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون (17) .
ـ من أقوال الصحابة قول عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:"لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كل له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين" (18) ، وقوله:"من مات وهو موسر لم يحج فليمت على أي حال شاء يهوديًا أو نصرانيًا" (19) .
ـ وأجابوا عن فعله عليه الصلاة والسلام وهو التراخي في الحج بأنه كان لعذر.
وجه الدلالة من أدلة أصحاب القول الأول:
في الآية الأولى: ورد الأمر من الشارع بالحج، والأمر بالحج في وقت مطلق يحتمل الفور ويحتمل التراخي والحمل على الفور أولى خوفًا من الإثم بسبب التأخير.
وفي الآية الثانية: بيان أن للحج وقت معين، ووقته أشهر الحجر من السنة، ويفوت وقته بفوات السنة، فالأمر بأدائه ليس بمطلق بل هو مؤقت بأشهر الحج.
وأما وجه الدلالة من الأحاديث:
في الحديث الأول: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ألحق الوعيد لمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان لأن الشرط ملك الزاد والراحلة، وذلك في قوله:"من ملك زادًا وراحلة"فمن توفر فيه الشرط فلم يحج لحقه الوعيد، والفاء في قوله:"فلم يحج"للتعقيب بلا فصل ـ أي:لم يحج عقب ملك الزاد والراحلة.
وفي الحديث الثاني: لفظ:"تعجلوا"، والتعجيل يقتضي المبادرة وعدم التأخير، والسبب في التعجيل:احتمال الفوات، وعدم معرفة ما يعارض له.