تكاد الاجتماعات الدورية للقيادات العليا بشرم الشيخ تأخذ صيغة"المؤسسة الدولية"أو"العربية"على المستوى العالمي ، ومن الملاحظ أنها في أهم اجتماعاتها تقتصر - وما تزال - على القيام بدور القمع ، فهي تصدر قرارات التحريم والمنع ، ولا تكاد تصدر قرارات العطاء والمنح والتنمية
لقد أصدرت هذه القمم في أهم اجتماعاتها قرارين بالغي الأهمية: أولهما الذي صدر منذ سنوات ضد الإرهاب ، والثاني الذي صدر منذ أيام ضد التحريض ، وكلاهما ينتسب إلى مجموعة القمع والتحريم: لكن أين ما نحلم به من قرارات البناء والتنمية -تلك التي تحتاج إلى دعم إقليمي أو دولي بحيث تستحق أن تصدر عن هذا النوع من الاجتماعات ؟ نقول ذلك من منطلق أن عدم اهتمام هذه القمم بهذه القررات البنائية يهدر مصداقيتها وأثرها بالنسبة لما تصدره من قرارات التحريم إن صح التعبير .
هذه واحدة
وأخرى - وهي الأهم -: فإنه من الملاحظ أن هذه القمم لا تهتم بتكييف قراراتها القمعية مع الثقافة الحاكمة في هذه البيئة ، وهذا ما يجعلها مهددة بالفشل والتخبط أثناء التنفيذ .
وبعبارة أخرى: ما المقصود بالإرهاب الذي حرمته القمة ؟ وكيف يمكن تمريره ضد أمر صادر من الجهة الأعلى في قوله تعالى"ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم"؟
ومما زادنا حيرة - هكذا قال محدثي -: أن الأمر الذي جاءنا من الله والرسول من قبل جاءنا: بتكليف هو في حدود المستطاع لنا"فهما"، والمستطاع لنا"فعلا"، لأنه سبحانه"لا يكلف نفسا إلا وسعها"
وأما الأمر الذي جاءنا من شرم الشيخ - والكلام لا يزال لمحدثي الحائر - فهو قد جاءنا بصيغة"المطلق"، وهي صيغة تنطوي على التجهيل والتعجيز ، إذ من في قدرته أن يفهم ؟ ألا يرهب المرء عدوه ؟ أليس إرهابه للعدو - وهو مصطلح الردع المعاصر - خيرا من وقوع الحرب بالفعل ؟ ألا يرهب المرء اللص ليكفه عن السرقة ؟ ألا يرهب من يعتدي على شرفه ؟ ألا يرهب من يعتدي على دينه ؟ ألا يرهب من يعتدي على أرضه ؟ ألا يرهبه بامتلاك السلاح لكي لا يستعمل ضده السلاح ؟ .
لماذا تركوا لنا"تعريف الإرهاب معلقا في فضاء المطلق والحيرة ولا يزالون ؟"
هل يكون السبب في ذلك أن الأمر قد جاء من العلمانية الدولية التي لا تتحسس أمرها في التحريم: أن يكون مصادما أو غير مصادم للأمر الأعلى في القرآن ؟ ولا يعنيها بعد ذلك أن تفسر ما تريد أو تحدد ما تقصد ، وهي لم تحدد حتى اليوم المقصود بالإرهاب ؟ وما الذي يلجئها إلى ذلك ما دامت"جوانتا نامو"قائمة في أركان الأرض كلها تفتح ذراعيها"الرهيبتين"لكل من يعصى لأنه غبي ، أو يعصى لأنه يتغابى ، فإذا أراد أن يحققوا معه انتظروا به إلى أن ينتقل من هناك مباشرة إلى الحياة الأخرى .
إن جهة التحريم الدولية تلك التي استمرأت إصدار"التحريم"بين فترة وأخرى لا يعنيها - لأنها وهي قمة السلطة في عالم هذه الدنيا لا يعنيها أن تكيل بمكيالين: فتعتبر الشيء الواحد إرهابا من هذا وليس إرهابا من ذاك . ولذا فإن بعض أرباب القمة هؤلاء يعلمون أنهم يمارسون الإرهاب ضد الإسلام ولا يزالون ، وهو الإرهاب الذي يحرمون .
يكشف ناعوم تشومسكي - في كتابه"السيطرة على الإعلام"الصادر مترجما إلى العربية عن مكتبة الشروق الدولية - في عام 2003 - يكشف عن أن المسئولين الأمريكيين يتعمدون تجاهل التعريف"الجاهز"في القانون الأمريكي للإرهاب ، لأن التعامل مع هذا التعريف يكشف أنهم"الإرهابيون".