يتناول الدرس معنى القدوة وأهمية القدوة الحسنة والشوط الواجب توفرها في الشخص حتى يكون أهلا لئن يقتدى به، وماهي الأمور التي تخرج الشخص عن صلاحية الاقتداء به، ثم بين كيف تتم التربية بالقدوة مع بيان نماذج من القدوات عبر التاريخ .
أولًا التعريف:
يقول الله سبحانه وتعالى: ' لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [21] ' سورة الأحزاب , قال القرطبي في تفسيره: [ الأسوة القدوة , والأسوة ما يتأسى به أي يتعزى به فيقتدي به في جميع أحواله ] , ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: [ الأسوة نوعان؛ أسوة حسنة، وأسوة سيئة ] ، نخلص من هذا أن القدوة الحسنة تنطبق على من يتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم , فيكون متبوعًا في كلامه وأفعاله.
ثانيًا: أهمية القدوة
وتكمن أهمية القدوة في العملية التربوية في الأسباب التالية:
1-إن القدوة الحسنة يثير في نفس العاقل قدرًا كبيرًا من الاستحسان , فتتهيج دوافع الغيرة لديه، ويحاول تقليد ما استحسنه وأعجب به.
2-إن القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل من الأمور الممكنة.
3-إن مستويات الفهم لكلام عند الناس تتفاوت ، ولكن الجميع يتساوى أمام الرؤية بالعين المجردة لمثال حي ؛ فإن ذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد المربي إيصالها للمقتدي.
4-إن الاتباع ينظرون إلى القدوة نظرة دقيقة دون أن يعلم ، فرب عمل يقوم به لا يلقي له بالًا يكون في حسابهم من الكبائر
هفوة العالم مستعظمة إن هفا أصبح في الخلق مثل
وعلى زلته عمد تسهم فبها يتحج من أخطأ وزل
لا تقل يستى علمي زلتي بل بها يصل في العلم الخلل
إن تكن عندك مستحقرة فهي عند الله والناس جبل
فإذا الشمس بدت كاسفة وجل الخلق لها كل الوجل
وتراقت نحوها أبصارهم في انزعاج واضطراب وزجل
وسرى النقص لهم من نقصها فغدت مظلمة منها السبل
وكذا العالم في زلته يفتن العالم حرًا ويضل
يقتدي منه بما فيه هفا لا بما استعصم فيه واستقل
فهو ملح الأرض ما يصلح إن بدا فيه فساد وخلل
وهذا أبو جعفر الأنباري صاحب الإمام أحمد عندما أخبر بحمل الإمام أحمد للمأموم في الأيام الأولى للفتنة عبر الفرات , فإذا أحمد جالس في الخان فسلم عليه , وقال:[
يا هذا؛ أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعنّ خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل ـ يعني المأمون ـ إن لم يقتلك فإنك تموت ولا بد من الموت؛ فاتّقِ الله ولا تجبهم إلى شيء , فجعل أحمد يبكي , ويقول: ما قلت؟ فأعاد عليه فجعل يقول: ما شاء الله، ما شاء الله
ثالثًا: شروط القدوة
1-الإيمان بالفكرة: لا تتكون القدوة في نفس الداعية حتى يكون هو أول من يؤمن بما يقول ، ثم ينقل هذا الإيمان إلى عمل.
2-تعلم العلم: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [ تعلموا قبل أن تسودوا ] ، فالسيادة في الدعوة تحتاج إلى علم يتأكد فيه القدوة من صحة خطواته، ويصحح فيه خطوات الآخرين.
3-حسن الخلق: هناك أخلاق بارزة يحتاجها الداعية القدوة دائمًا ، وبغيرها يصبح من المتعذر عليه النجاح في دعوة الناس، ومن أهمها الصبر والرحمن والرفق والتواضع والمخالطة.
4-موافقة العمل القول.
5-عدم الانقطاع عن الأعمال: عدم الانقطاع عن عمل ما دون أي مبرر شرعي أو نسيان, وترجع خطورة هذا الانقطاع إلى أمرين ؛ الأول: هو دخوله في دائرة الذين يقولون ما لا يفعلون ، و الثاني: هو إحساس المتربي بعدم جدية ذلك الأمر وأهميته.
6-التثبت من صحة النقول: سواء كانت أحاديث للرسول صلى الله عيه وسلم أو كلمات للصالحين؛ فإذا كان القدوة لا يتثبت من صحة النقول يكون المقتدون كذلك.
7-الابتعاد عن المباحات: يقول ابن القيم: [ فالعارف يترك كثيرًا من المباح إبقاء على صيانته، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخًا ين الحلال والحرام ] .
وهذه أتقنها يحيى بن يحيى فقد كان يومًا عند مالك في جملة أصحابه؛ إذ قال قائل: قد حضر الفيل فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه غيره [أي وبقي يحيى مكانه] فقال له مالك: لم تخرج فترى الفيل - لأنه لا يكون بالأندلس -، قال يحيى: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك , وأتعلم من هديك وعلمك , ولم أجئ لأنظر إلى الفيل , فأعجب به مالك , وسمّاه عاقل أهل الأندلس.
8-المحاسب الدائمة: فعلى الداعية القدوة أن يعي أنه تحت رقابة دقيقة ممن يتخذونه قدوة لهم فيحاسب نفسه على كل كلمة أو تصرف صغر أم كبر حتى يتجنّبه في مرات أخرى.
رابعًا: مبطلات القدوة