د. فيصل القاسم
لا أعتقد أن هناك أمة عانت من ثقافة الهزيمة أكثر من الأمة العربية، فقد عمل أعداؤنا على مدى عقود على تكريس الشعور بالهزيمة لدينا، وقد ساعدهم في ذلك رهط من أبناء جلدتنا الذين ما فتئوا ينشرون اليأس والعجز والإحباط بين ظهرانينا بدعوى الواقعية وضرورة أن نعرف قدر أنفسنا، على اعتبار أنه ليس بالإمكان أكثر مما كان.
ولا بد من الاعتراف بأن أولئك الأشرار قد نجحوا إلى حد كبير في حربهم النفسية الخطيرة ضد الشعب العربي من المحيط إلى الخليج، خاصة وأن الأخطر من الهزائم العسكرية التي مُنينا بها هو القبول بها والعيش معها كأمر واقع، فقد وصل الأمر بالكثير منا إلى حد الخوف حتى من استخدام كلمة مقاومة أو جهاد أو تصدٍ في الآونة الأخيرة، خشية أن نُتهم بالإرهاب بحيث أصبحنا نخشى من الكلام فما بالك القتال.
لقد انحدرت بنا ثقافة الهزيمة إلى ذلك الدرك الأسفل من الهوان والاستكانة. ويؤكد هذه الحقيقة كتاب شهير بعنوان"ثقافة الهزيمة"The Culture of Defeat، إذ يرى مؤلفه وولفغانغ شيفلبوش أن أهم شيء في فنون الحرب الحديثة ليس الانتصار على عدو ما، بل إبقاء ذلك العدو أسيرًا لعار السقوط ولحظة الهزيمة والوقوع على الأرض لا يخرج منها أبدًا ولا يخرج من عاره أو من هزيمته.
بعبارة أخرى، فإن النصر الأعظم الذي تستطيع قوة من القوى أن تلحقه بأعدائها هو أن تظل تضغط عليها نفسيًا باستمرار، وأن تذكرها طوال الوقت بهزيمتها وأن تستبقيها إلى الأبد أسيرة لثقافة الهزيمة. وقد درس المؤلف تجارب ألمانيا واليابان وبولندا وفرنسا، وأخذ حالة هذه البلدان وكيف واجهت الوضع الصعب، مع العلم أن ألمانيا استسلمت بلا قيد أو شرط وفتحت أبوابها للمنتصرين ليدخلوا ويفعلوا ما يشاؤون، وأن اليابان ركعت على ركبتيها أمام القنبلة النووية الأمريكية واستسلمت بالكامل.
ولا ننسى أن فرنسا بجلالة قدرها هُزمت واحتلت من قبل هتلر في سنة 1940وظل نصفها تحت حكم الألمان والنصف الآخر بقيت فيه حكومة عميلة. لكن الشعوب الأوروبية لم تسمح للهزيمة بأن تتحول إلى ثقافة عامة، كما فعل العرب. لقد فهم الألمان واليابانيون والفرنسيون تلك الحقيقة جيدًا، كما يقول محمد حسنين هيكل، وواجهوها واجتثوها من جذورها. وقد لعب المثقفون الوطنيون وقتها دورًا كبيرًا في إزالة آثار الهزيمة وتشجيع المقاومة وإعادة استنهاض الروح المعنوية للشعوب الفرنسية والألمانية واليابانية، بمعنى أن المثقف الحقيقي هو أول من يجب أن يتنبه إلى أن استبقاء شعبه أو أمته أسيرة لثقافة الهزيمة أمر في غاية الخطورة، فلا ديمقراطية ولا حرية ولا تنمية ولا شرعية ولا هوية ولا كرامة، طالما أن الأمة أسيرة لثقافة الهزيمة. فلا يمكن أن تصنع مستقبلًا وأنت أسير لحظة الانكسار.
لكن بينما تصدى المثقفون والإعلاميون الغربيون لثقافة الهزيمة ووأدوها في مهدها، راح بعض مثقفينا يكرس الهزيمة ويجعلها ثقافة عامة مستدامة. وقد عاد ذلك الرهط الوضيع ليطل برأسه بقوة أثناء المواجهة الأخيرة بين رجال المقاومة الوطنية اللبنانية والدولة العبرية ليمارس لعبته القديمة، متعاميًا عن النصر المؤزر الذي حققته المقاومة الوطنية اللبنانية، فامتلأت بعض المواقع الالكترونية والصحف العربية الصفراء والخضراء بالمقالات والتحليلات التحبيطية التي وجدت طريقها بسهولة فيما بعد إلى موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية الالكتروني.
وكم كان التناغم واضحًا بين بعض المواقع والصحف العربية وبين المواقع الإسرائيلية الرسمية،على اعتبار أن بعض الصحف الإسرائيلية غير الرسمية كانت أكثر توازنًا في تقييمها للمعركة وأكثر اعترافًا ببسالة المقاومين اللبنانيين من الطابور الإعلامي العربي الخامس. كيف لا وقد اعترف قائد لواء (جولاني) الذي يُعتبر صفوة الجيش الإسرائيلي بأنه كم تمنى لو كان المقاومون الذين واجههم في بنت جبيل وعيتا الشعب من لوائه لشدة بأسهم وعبقريتهم القتالية وصمودهم الرائع. لكن ذلك الاعتراف الإسرائيلي المر لا يعني من استمرأوا الهوان والذل وراهنوا على الهزيمة المستدامة من إعلاميينا ومثقفينا المزعومين.
وعلى ما يبدو أن خبراء التحبيط والتيئيس العرب ما زالوا أسرى أدواتهم ونظرياتهم القديمة التي أكل عليها الدهر وشرب، فليس لديهم من أسطوانة يلعبونها كلما أرادوا النيل من حركات المقاومة وداعميها سوى أسطوانة أحمد سعيد المذيع الشهير في إذاعة (صوت العرب) أيام النكسة، على اعتبار أن العرب، برأيهم، ليسوا أكثر من ظاهرة صوتية تتغنى بالانتصارات الفارغة وتطلق العنتريات على الهواء وتُمنى بالهزائم على الأرض.