فهرس الكتاب

الصفحة 2206 من 27345

أ. د .ناصر بن سليمان العمر

بسم الله الرحمن الرحيم

"في صيف عام 1423هـ حضر فضيلة الشيخ / عبدالرحمن الفريان - رحمه الله - إلى منطقة الجوف، وقد قام بإلقاء درس بعد صلاة الفجر ثم بعد الإفطار قام بزيارة إحدى الدوائر الحكومية وألقى فيها كلمة، ثم قام بزيارة السجن العام وألقى كلمة على المساجين، ثم صلى الظهر في إحدى الدوائر الحكومية - المحكمة - وقام بإلقاء كلمة على الموظفين والمراجعين، ثم قام بزيارة إمارة المنطقة ثم ارتاح حتى العصر، ثم صلى العصر في أحد الجوامع وألقى كلمة، ثم خلى بنفسه للاستعداد لإلقاء محاضرة بعد مغرب ذلك اليوم، وقد ألقى محاضرة بعنوان ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) كما وافق الشيخ على حضور لقاء بعد صلاة العشاء مع طلاب العلم ( لكن اعتذر فضيلته بعد صلاة العشاء نظرًا لظروفه الصحية ) ، وكان _رحمه الله_ حين زيارته تبدو عليه ملامح التعب والإجهاد، كما قام بعد ذلك بزيارة مدينة طبرجل، ثم مدينة القريات، كما كان لفضيلته معرفة بكبار السن من أهل الجوف؛ لكونه كان يزورهم قبل أكثر من ثلاثين عامًا للدعوة وإلقاء المواعظ والمحاضرات، كما قام _رحمه الله_ بكفالة أكثر من عشر حلق قبل قيام الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن بهذه المنطقة"

بهذه الكلمات التي خطتها يراع أحد قضاة منطقة الجوف يوم الجمعة 8/7/1424هـ اختصر لنا حياة الشيخ / عبدالرحمن بن عبدالله آل فريان - رحمه الله - .

لقد كان الشيخ عبدالرحمن رجلًا نادرًا وطرازًا فريدًا من جيل الرواد، يجهل كثير من الناس حقيقة ذلك الرجل الفذ، وما يحمله من صفات، وما يقوم به من عمل في سبيل الدعوة إلى الله ونشر عقيدة التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما علاقته بالقرآن الكريم تعلمًا وتعليمًا وبذلًا، فهذا مما تقصر دون تمامه الصفحات والأقلام، وما أكتبه عن هذا الإمام - رحمه الله - ليس ترجمة ولا كتابة سيرة، وإنما هي وقفات مختصرة، وصفحة مشرقة من صفحات ذلك الجبل الأشم والرائد الذي قلّ أن يتكرر.

ولقد احترت بأي تلك الصفحات أبدأ، وعن أي تلك المآثر أتحدث، ولكنه القرآن الذي ثبت عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كما في صحيح مسلم:"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين" (1) .

الوقفة الأولى:

لايذكر تعليم القرآن في المملكة إلا ويكون الشيخ في مقدمة أولئك الرواد الذين أخذوا على عواتقهم بذل الغالي والنفيس من أجل نشر القرآن وتعليمه والتربية عليه والدعوة إليه.

لقد كان هم تعليم القرآن الكريم هو الهم الذي أقض مضجع الشيخ عشرات السنين منذ أكثر من أربعين سنة حتى آخر لحظة من حياته _رحمه الله_ .

والذي يعرف كيف كانت هذه البلاد قبل خمسين سنة، وكيف أصبحت يدرك الأثر الذي تركه فقيد الأمة _رحمه الله_ وبخاصة فيما يتعلق بحفظ القرآن وتعليمه.

وبالأخص المنطقة الوسطى والشرقية والشمالية، لقد كان تعليم القرآن شغله الشاغل وهمه الذي لاينقطع، بدأ ذلك قبل أربعين سنة في حلقات معدودة في مدينة الرياض، ثم انطلق إلى ماجاورها وانتقل بعد ذلك إلى الشرقية ثم إلى الشمالية، وأسس الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن بالمنطقة الوسطى والشرقية والحدود الشمالية، حيث كان هذا هو اسمها قبل سنوات، ثم استقلت كل منطقة بجمعيتها، واستمر الشيخ في الإشراف على جماعة تحفيظ القرآن بمنطقة الرياض، حتى بلغ عدد الملتحقين بالجماعة في عام 1424هـ أكثر من مائة ألف من الذكور والإناث .

ويكفي أن تدرك أن عدد الدور النسائية في مدينة الرياض فقط بلغت قرابة مئتي دار يدرس بها أكثر من أربعين ألف امرأة وفتاة، مع حداثة تعليم المرأة وافتتاح الدور النسائية، ولم يكن الشيخ مجرد مشرف عام، أو يحمل منصبًا شرفيًا، بل كان هو المؤسس والمشرف المباشر، والداعم الرئيس، يحضر الجلسات، ويشرف حفلات التخرج، ويواجه المشكلات ويحل ماتلاقيه من معضلات.

وأحسب أن القرآن _بفضل الله ثم بجهود الشيخ ومن معه من إخوانه - دخل كل بيت في منطقة الرياض إلا من أبى .

بل إن الشيخ سعى لدى المسؤولين ليكون القرآن أنيس السجناء، وسببًا من أسباب صلاحهم وتخفيف محكومياتهم، وقد استجاب المسؤولون لذلك، فكان من حفظ شيئًا من القرآن يخفف عنه من المدة ما يقابل ذلك.

ومن حفظ القرآن كله سقطت عنه نصف محكوميته مهما بلغت، وبسبب ذلك حفظ كثير من السجناء القرآن الكريم فصلحت أحوالهم، وعادوا إلى أهلهم قبل انقضاء محكومياتهم، وكان الشيخ يشرف على تلك الحلقات داخل السجون، ويحضر حفلات حفظ القرآن التي يقيمها كل سجن لنزلائه.

أما الدعم المادي من أجل القرآن تعلمًا وتعليمًا فلا أعرف أحدًا يساميه، سواء من ماله الخاص أو بسبب شفاعته لدى المحسنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت