عوامل الافتراق في العمل الإسلامي
د. عبد الوهاب بن لطف الديلمي*
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد:
فإن معرفة الثغرات التي ينفذ منها الشيطان، للتحريش وإفساد ذات البين، في صفوف العلماء والدعاة الذين يحملون جميعًا همّ الدعوة إلى الله سبحانه، ويسعون لتحقيق غاية واحدة، وهي التمكين لدين الله، مع وجود اختلاف في الأساليب والوسائل، أو تحديد الأولويات في الدعوة، دون أن يكون بينهم تباين في معتقد، أو تفريط في شيء من الثوابت، إن معرفة هذه الثغرات وتحديدها وحصرها ييسر لمن يريد السعي إلى رأب الصدع القائم بين الدعاة على مستوى الأفراد أو الجماعات، ويضع لها العلاج المناسب إذا ما صدقت النوايا، ووجدت الرغبة الصادقة في ردم الهوة، وإزالة الجفوة القائمة.
والمتتبع لأسباب الافتراق القائم يجد أنه من السهل معالجته؛ إذا خلت النفوس من الأهواء، وأدركت الخطر المحدق بالإسلام وأهله، وأن الكل مستهدف من قبل الأعداء، وأن الشقاق القائم بين الدعاة لا يثمر سوى توسيع دائرة الخلاف، واستنزاف القوى والجهود والأوقات في معارك جانبية، يقطف ثمارها العدوّ، ويشغل الجماعات، ويصرفها عن أهدافها الحقيقية، ويحدث فتنة بين أفراد الجماعات، كما يحمل عامة المسلمين على الشك في صدق الدعاة، وينفث في صدروهم الحيرة، فلا يدرون مع من الحق، وفي الجو مرتع خصب لغلبة الأهواء، وشيوع البدع.
والدعاة هم أولى الناس بمعرفة حرص الإسلام على جمع الكلمة، وتوحيد الصف، وإزالة كل أسباب الفرقة، وبحسن الظن بالمسلم، وصفاء النفوس، وسلامة الصدر، ومعرفة الطبيعة البشرية في الاختلاف لأسباب كثيرة، يُعذر معها المخالف، طالما والخلاف لا يخرج عن دائرة الاجتهاد فيما لا نص فيه، على أن هناك ضمانات للحافظ على الأخوة الإيمانية عند الاختلاف: مثل الاحتكام إلى نصوص الوحيين، ومعرفة مأخذ كل طرف، وأيهما أقرب إلى الصواب، و مثل فتح باب الحوار بين المختلفين، مع الالتزام بآداب الحوار، ونبذ العصبية والأنانية، والخضوع والاستسلام للحق، إذا جاء على لسان المخالف، وعند تمسك كل طرف برأيه لغلبة ظنه أنه الأرجح والأصوب، فيبقى كلُ على رأيه مع حسن الظن، والحرص التام على حفظ وصيانة الأخوة الإيمانية، وأن ينظر كل طرف إلى ما عند الآخر من الخير، ويتعاون الجميع على ما أمروا أن يتعاونوا عليه: (وتعاونوا على البر والتقوى..) [سورة المائدة: 2] ، مع إحياء روح التناصح الذي لا يستغني عنه أحد، وفي هذه الحال تتوحد الجهود والطاقات وتتوجه نحو غاية واحدة، وهو الأليق بمثل هذه الجماعات، وحينئذ يغلقون على الشيطان منافذ الفتنة ويُسقط في أيدي العدوّ المتربص، ويتجه الدعاة بالأمة نحو الأهداف المطلوبة بخطوات متسارعة، ويصبحون قدوة صالحة لغيرهم.
وقد ساهمت ــ بحمد الله ــ مساهمة متواضعة، في محاولة بيان أسباب الاختلاف وآثاره السيئة، وذكر نماذج من تاريخ المسلمين في الماضي والحاضر؛ ليأخذ الدعاة من ذلك العظة و العبرة، وإدراك ما يحدثه الخلاف من ويلات، لا على مستوى الأفراد والجماعات، بل على مستوى المسلمين جميعًا، كما هي سنة الله سبحانه، وقد ذكرت مع ذلك بعض الحلول النظرية التي تحتاج من الجماعات والأفراد إلى مواقف عملية صادقة تدل على حرصهم في الخروج بالأمة من المعاناة التي حلت بها..
سائلًا الله تعالى أن يطهر النفوس من كل الأدواء، وأن يرزق الجميع الإخلاص لوجهه.
وفي الختام أشكر القائمين على إدارة جامعة الخرطوم على هذه البادرة الطيبة، والخطوة المباركة، في محاولة إيجاد العلاج للداء المستحكم بكثير من النفوس.
سائلًا الله تعالى أن يجزل لهم المثوبة، وأن يكلل أعمالهم بالنجاح وهو ولي التوفيق والقادر عليه..
والحمد لله رب العالمين
د. عبد الوهاب لطف الديلمي
عوامل الافتراق
الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ... أما بعد:
فقد أثرت الكتابة عن عوامل افتراق في العمل الإسلامي، نظرًا إلى أن الاهتداء إلى الثغرات ومعرفة جوانب الشر، والسعي إلى إصلاح الخلل، يؤدّي بالتالي إلى إدراك الخير، وتجنّب مواطن السوء. وقد كان من فطنة حذيفة رضي الله عنه حرصه على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يدركه.
والعوامل التي يمكن الحديث عنها، منها ما هي عوامل مباشرة تؤدّي بنفسها إلى الافتراق، ومنها ما هي عوامل غير مباشرة، لكنها تورث هذه النتيجة؛ نظرًا لكونها بعيدة عن هدي الشرع. وكل أمر قام على غير الهداية الربانية فهو فائم على هوى.. لا يورث إلا شرًا أو فسادًا.
وقبل الدخول في البحث أود أن أقول: