فهرس الكتاب

الصفحة 5752 من 27345

لمقررات الفقه وأصوله [1/3]

د. فريدة زوزو (1) 10/11/1425

مقدمة:

إن واقع المسلمين اليوم تواجهه تحديات كبيرة ومعضلات متعددة، والنوازل الحادثة في المجتمع أكثر من أن تحصى بحيث تحتاج إلى نظر مجتهد حاذق، واجتهاد فقيه متبصر بالواقع المعاش، وهذا لا يتأتى بالبحث في المدونات الفقهية القديمة فقط، من دون استعمال النظر الاجتهادي المتبصر في أحوال وظروف الواقع المعاصر، بل يتطلب الأمر من الفقيه أن يكون عالما بأدوات الاجتهاد، متعمقا في دراسة الظواهر والمستجدات التي تطرأ في مجتمعه، فيكون قادرا على النظر فيها بما يتوافق وقواعد الشريعة الإسلامية.

ولأن الظواهر معقدة، والنوازل عديدة ومتشابكة، فإنه يجدر بنا التعمق في النظر واستثارة تفكيرنا لإيجاد حلول لهذه المعضلات، فإن الأمر يتطلب تدريبا ومدارسة تبدأ من مدارسنا وتنتهي في واقعنا، فالطالب المسلم يجب أن يتدرب على ملكة التفكير المتأمل والناقد، ومن ثمة التفكير الإبداعي لإيجاد حلول لمشكلات مجتمعه وفق مقتضي الشرع.

وهذا الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية عموما، ومناهج الدراسات الإسلامية خصوصا، بغرض ربطها بالغاية التي وجدت لأجلها أمة الإسلام في أن تكون شاهدة على الأمم والناس أجمعين؛ فإن هذه المناهج أصبحت مفرغة من أهدافها وغاياتها العليا المتمثلة في الاستجابة لحاجة الأمة، وعلاج مشكلاتها، وتطبيق مبادئها، وهنا وجب الحديث عن أهداف تدريس العلوم الإسلامية، هل هي بغرض معرفة شروط المفسر والمجتهد، أم بغرض معرفة آليات الاجتهاد والقياس، أم بغرض معرفة شروط الوضوء وصفة بطاقة الائتمان الجائزة...إلخ؟

وهنا لا يمكننا إلقاء اللوم على السابقين من فقهائنا -عليهم رحمة الله- الذين عاشوا زمانهم، واجتهدوا في إيجاد حلول وابتكار طرق إيقاع احكام الشرع في واقع الناس وفق زمانهم ومتغيرات عصرهم، فلا نحاكمهم في زماننا؛ فالخلل لا يكمن في المدونات الفقهية التي واكبت عصورها، وإنما الخلل واقع فينا بمحاكاتنا لطريقة تأليفهم ومعالجتهم لمسائل زمانهم، كما هو شأننا اليوم عند محاكاتنا للمناهج الدراسية الغربية.

وإن المتأمل في واقع الدراسات الإسلامية ومناهجها الدراسية اليوم، ووسائلها التعليمية، ومساقاتها، وموادها المفصلة، يلحظ النزعة التقليدية في انتقاء المواضيع، والطرح والإلقاء والتدريس والتلقي، فينتج عن ذلك اتجاه الطلاب إلى تلقي الدرس بطريقة مملة لا توحي في نفس الطالب إلا بالحفظ في الصدور ثم الحفظ في السطور عند التقويم والامتحان، وبذلك تغيب النزعة الإبداعية والتفكير الناقد الذي يعين على الاستنباط والتحليل والنظر في مستجدات الأمور ونوازلها، ويغيب عن ذهن الطالب المسلم مبادئ الدرس المرتبطة بالغاية الوجودية للإنسان، في تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى.

ولذا فإن هذه الورقة البحثية تحاول النظر في المناهج الدراسية الحالية للدراسات الإسلامية، والبحث عن مواقع القصور فيها؛ لأجل إيجاد بديل يتجه إلى التأسيس للتفكير الإبداعي لدى مدرّسي وطلاب الدراسات الإسلامية، تفعيلا لأدائهم في الدرس، وبغرض مواكبتهم التطورات السريعة الواقعة في مجتمعهم، فلا يعيشون بين المدونات القديمة، بينما يتجه المجتمع بمشكلاته ومستجداته اتجاها بعيدا عن الحكم الشرعي والنظر الفقهي.

ويتخذ البحث أصول الفقه وبعض المقررات الفقهية، مثل مادة الفقه عموما، وفقه المعاملات، والفقه المعاصر، والفقه المقارن، ومادة القواعد الفقهية، حالة لدراسة هذه المسألة؛ لاعتبارين؛ أولاهما أنه مجال تخصصي، وأما الاعتبار الثاني فلأنها المقررات التي تعبّر عن المنهج العلمي لعملية تفاعل العقل مع نصوص الوحي في استخراج الأحكام الشرعية، كما سيظهر خلال البحث.

وقبل البدأ في مناقشة محور الموضوع، ارتأيت التطرق لأهداف الدراسات الإسلامية خصوصا، والهدف الأساس من التعليم عموما.

أهداف الدراسات والعلوم الإسلامية:

-إيجاد وإعداد الفرد المسلم الرسالي.

-تفجير الطاقات الإبداعية في نفس الطالب المسلم.

-تطعيم التحفيز العلمي بالمبادئ العقائدية.

-ربط الدراسات الإسلامية بحاجات الأمة الإسلامية.

-توجيه حياة المسلمين دنيًا ودينًا بالعلوم الإسلامية .

-توظيف الدراسات الإسلامية في الحياة العملية للمجتمع.

يضاف إلى هذه الأهداف الهدف العام من التعليم عموما وهو:

"تخريج متعلمين مستقلين فعالين... وأفرادا منتجين في المجتمع... يتعمتعون بقدرة على الابتكار والإبداع والتفكير في بدائل متعددة" (3) .

طرق التدريس التقليدية والتفكير الإبداعي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت