فهرس الكتاب

الصفحة 23604 من 27345

معالم رئيسة في واقع العمل الإسلامي

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

إنَّ دراسة واقع العمل الإسلاميّ أمر هام في حياة الحركات الإسلامية، وفي حياة الأمّة المسلمة كلّها. إنَّ مثل هذه الدراسات هي التي تنمّي العمل وتساعد على تطوره وقوته.

يسمّى بعضهم هذه الدراسات والأبحاث بالنقد والنقد الذاتي، كما اشتهر في العالم الشيوعي، أو النقد عامة كما عرف في العالم الغربي. وقد انتشرت هذه اللفظة في حياتنا، ولم ينتشر نهجها المتبع لدى هؤلاء أو لدى هؤلاء. ولكن انتشرت مع اللفظة ظلال غير محببة.

أما الإسلام فقد وضع قاعدة أعظم من ذلك بكثير. وضع قاعدة النصيحة، حتى جعلها كأنها هي الدين تعبيرًا عن شمولها واتساعها وأهميتها، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ( الدين النصيحة … … ) .

وعندما نتتبع قواعد النصيحة وآدابها، ونهجها وأُسلوبها، نجدها تشمل كلّ خير يمكن أن يدعو إليه النقد، وتنبذ كلّ شرّ قائم فيه (1) ، ذلك كلّه من خلال آيات وأحاديث، وممارسة كريمة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم وفي حياة صحابته.

ولكن النصيحة التي دعا إليها الإسلام غابت عن واقع المسلمين اليوم، والنقد الذي دعا إليه أولئك أخذنا منه التجريح والتشهير، والخصومة والعداء.

فلا بد إذن من عودة النصيحة إلى حياة المسلمين بكلّ قواعدها وآدابها، حتى تصبح النصيحة منهجًا ربانيًا يُمارس عمليًا في واقعنا في التربية والبناء والتدريب والإعداد والممارسة والتطبيق.

ومن هذه القاعدة نخرج بأمر هام ألا وهو ضرورة ما يمكن أن يُسمّى"وقفة المؤمن ومراجعة الحساب"، حتى تقف كلّ حركة إسلامية مع نفسها، فتدرس واقعها وتكشف أخطاءها وصوابها، لتعالج هذه وتستفيد من تلك.

ولقد ضرب القرآن الكريم نماذج رائعة لهذه الوقفات. فقد وقف القرآن الكريم مع غزوة بدر وأُحُد وحنين وتبوك والخندق وغيرها وقفات إيمانية رائعة، تقدّم للمسلمين نماذج يتعلمون منها أبد الدهر. ووقف كذلك مع أحداث هنا وهناك، ووقف مع سلوك أفراد، ومع حركات معادية ومناهج محاربة. وقف وقفات الدراسة والتحليل، والنصح والتوجيه، وكشف الأخطاء ومواطن الزلل، ثمّ وضع العلاج والحلول.

وحين نحاول النصح لدعوة الله وحركاتها المختلفة، فإننا نشترط أولًا على أنفسنا أن نصدق النية خالصة لوجه الله، مطهّرة من شهوات الدنيا، بعيدة عن الأحقاد والتجريح، نقول بما نعلم ونتقي الله حتى لا نجرح أو نسيء.

نؤكد هذا المعنى لمعرفتنا بما نعانيه نحن اليوم من حساسية تجاه النصيحة، حتى غلب النُفُور منها، وأحاطت الشبهة بمن يقوم بها. وكأن النصيحة لا تصدر إلا من حاقد يعصف به الحقد والغضب. كلا‍ ! إن النصيحة الصادقة الجريئة تخرج في حقيقتها وجرأتها وصدقها من قلب ملأته السكينة بالإيمان، والطمأنينة بالتقوى، والثقة بالعلم والمحبّة والموالاة.

وإذا كنتُ أتحدث في الصفحات المقبلة عن أخطاء العمل الإسلامي، عن أخطائه فقط، فلأن هذا هو موضوع المقالة. ولكنني لابدّ أن أُشير وأؤكد فضل العمل الإسلامي، مهما تكن أخطاؤه، وفضل الدعاة الصادقين كلّهم قادةً وأفرادًا، داعيًا الله سبحانه وتعالى أن يتقبّل منهم ومنا أحسن ما عملنا، وأن يغفر لنا سيّئاتنا ويتجاوز عنها إنه هو الولي الحفيظ.

إننا نعرض هنا ما نعتقد أنها مواطن خطأ وضعف، يجب على كلّ حركة أن تعود لنفسها، وتدرس مسيرتها، لتكشف هي بنفسها أخطاءها دون خوف أو وجل أو تردُّد. فهذا مصدر قوة ونماء وحياة. وبتركه نفقد قوّة ونعطّل نماء. إنها كلمات نصح خالص لله سبحانه وتعالى، نقدّمه للحركات الإسلامية كلّها، مهما اختلفت أسماؤها ومواقعها لا نقصد حركة معيّنة بذاتها، ولا نستطيع هنا أن نقدِّم دراسة موسعة للعمل وواقعه، ولكننا نقدِّم موجزًا سريعًا لأهمّ القضايا التي تحتاج إلى دراسة وبحث، ووقفة ونصح، حسب ما نعتقد:

1-التصوُّر الإيماني والتوحيد: (2)

إن عدم التركيز على قضيّة التصوّر الإيماني والتوحيد في الدعوة والتربية والبناء والتدريب، ليكونا القضيّة الأولى في حياة الإنسان، والحقيقة الكبرى في الكون، وليؤديا دورهما الحقّ في صياغة الفكر والنهج والسلوك والمواقف، إن عدم التركيز على هذه القضيّة أدّى إلى اضطراب في واقع العمل الإسلامي، وربّما كان أهم الأسباب لما يعانيه العمل الإسلامي من خلافات وانشقاقات، واضطراب في المواقف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما أن عدم التركيز على هذه القضيّة الأولى جعل القضيّة الأولى في الميدان العملي هي دعوة الناس إلى تكتلات وأحزاب، وإلى أفكار هذه التكتلات والأحزاب، فتضعف الجهود المبذولة لبناء التصوّر الذي يعرضه منهاج الله للإيمان والتوحيد، وتضعف بعد ذلك نواح عديدة في واقع العمل الإسلامي. وينتج عن ذلك ضعف الجهود في طرح المناهج وبناء التخطيط ورسم الدرب، حين تنشغل الطاقات في ميادين الخلافات الفكرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت