الحمد لله ، أكرم جباهنا بالسجود لعظمته ، ونور قلوبنا بالإيمان به وبمعرفته ، وأرغم أنوفنا بالرضا بقدره والتسليم لحكمته .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، المتفرد في أسمائه وصفاته ، وإلهيته وربوبيته ، شهادة أرجو بها نيل مرضاته ، والنظر إلى وجهه ، والفوز بالدرجات العلى من جنته .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، شهادة مصدق به ، متبع لسنته ، راجيا شربة هنية من حوضه ، ودخولا في شفاعته ، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحابته ، ومن سلك سبيلهم ، واتبع نهجهم ، والصالحين من أمته ، وسلم تسليما .
أما بعد ، فتقوى الله عباد الله ، ملاك كل خير ، وهي الزاد لمن جد به إلى الآخرة السير ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ، ولباس التقوى ذلك خير .
أيها المسلمون: تتجلى عظمة ربنا جل جلاله يوم القيامة أيما تجلي ، فكل أتوه داخرين ، وثلاشت قوة كل قوي من العظماء والملوك والسلاطين ، واجتمع الخلق كلهم في صعيد واحد ، لا تخفى منهم خافية ، وكلُ أمة جاثية ، تقطعت بهم الأسباب ، فلا خلة بينهم ولا أنساب ، فخشعت أصواتهم ، وخضعت أعناقهم ، وتقطع بينُهم ، وتعاظم كربهم ، وعظمت مصيبتهم ، وطال انتظارهم للحكم فيهم ، وتقرير مصيرهم . فهرعوا يستشفعون ، وعند أبيهم للخلاص يطلبون ، فاعتذر الأب بأنه هو الذي أخرجهم ، وهو سبب ما حل بهم ، وأشار عليهم بابنه نوح ، فاعتذر ، وأشار عليهم بالخليل ، فاعتذر ، وأشار عليهم بالكليم ، فاعتذر ، وأشار عليهم بالروح فاعتذر ، وكان أولئك الرهط من الأصفياء الأتقياء يقولون مقولة واحدة:: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، ثم إن عيسى عليه السلام أشار على أهل الموقف بسيد الأنبياء ، وقدوة الأتقياء ، وتاج الأخلاء ، محمد صلى الله عليه وسلم ، فانبرى للشفاعة ، بثقة المحب ، وطمع المحبوب ، لا يغيب عن ذهنه غضب الرحمن ، الذي أخاف من شدته من سجدت له الملائكة تكريما ، وأحجم الموصوف بأنه كان عبدا شكورا ، وتخلى الأواه المنيب ، واتخذه الله خليلا ، وعجز عنها من سأل الرؤية ، وكلمه الله تكليما ، ولم يستطعها روح الله وكلمته ، ومعجزته وآيته . فلقد كان الموقف شديدا عظيما .
نعم كان في ذهن الحبيب تخلي الصفوة من الخليقة عن الشفاعة ، وكان في ذهنه سبب ذلك التخلي ، وهو شدة غضب الرحمن ، فإذا غضب الرحمن فأين تذهبون ؟ وإذا غضب الرحمن ، فبمن تلوذون ؟ فكان من المحتم أن يطفىء غضب الرحمن ، فكيف يطفئه ؟ ولقد علم صلى الله عليه وسلم أن الرحمن جبار ، متكبر ، عزيز فألهمه الله إلى ما يطفىء غضب من هذه صفاته ، تقدست صفاته ، وهو كمال الذل والخضوع ، فخر لله ساجدا ، يسبح بحمده ويثني عليه ، ويمجده ، ويسأله ويطلبه ، وهو الذي أنزل إليه في كتابه الذي بلغه: واسجد واقترب ، فاقترب من ربه متمثلا ما أخبر به هو عن ربه بقوله: أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد
فلما مرغ أنفه بذلة السجود للمتكبر ، وذلة الخضوع للعزيز ، قيل له: ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع .
أيها المسلمون: بسجدة واحدة ومحامد وثناء انتهت تلك الأعوام الطويلة من الانتظار ، وحكم بين العباد ، وسيق أهل الجنة للجنة ، وأهل النار إلى النار . وهذا في آخر المطاف ، بعد أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين .
ولا عجب ممن كان السجود ديدنَه ، وجعلت قرة عينه في الصلاة ، وهي الصلة بين العبد وربه ، ويقرب العبد من ربه أقرب ما يكون إذا سجد له ، يسأل العبد ربه بعد أن أدناه منه ، فيستجيب الرب لدعاء العبد ويعطيه ما يتمناه . أفلا نستجلب رحمة ربنا بالسجود ؟ أفلا نستمطر عفوه بالسجود ؟ أفلا ندفع بلاء أمتنا ، وننهي مصائبها بالسجود له تعظيما وتكبيرا ؟
أيها المسلمون: للسجود شأن عظيم ، يعرفه من تلذذ به ، وملكت ذلته شغاف قلبه ، وذاق طعم الخضوع به للرحمن ، تعبدا وإجلالا ، فالتحق بالركب من أولي العلم الممدوحين في كتاب الله تعالى بقوله: إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا .
ومتأسيا بركب عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ، ويبيتون لربهم سجدا وقياما . فيسألونه صرف عذاب جهنم عنهم بالسجود والقرآن ، لما عرفوا قيمته ، وأدركوا أهميته وذاقوا حلاوته ، تمثل فيهم قول مولاهم: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه . وهذه الآية من العجائب ، فقد عبر بالقنوت إشارة إلى الإخلاص والتجرد ، وذكر وقته ، وهو الليل دليلا على أفضليته ، ودليلا على إخلاصه ، والقنوت يشمل القيام والدعاء والإطالة فيهما، ثم قدم السجود على القيام ، مع أن السجود لا يكون إلا بعد قيام ؛ لأنه غايته ، ولبيان شدة القرب من مولاه لما تجرد له وأخلص ، فكأنه دنا واقترب ، فعرفه فقام بما تقتضيه العبادة من خوف ورجاء .