شوق ودماء في البوسنة والهرسك
ألقيت هذه القصيدة في أسبوع البوسنة والهرسك في مدينة الرياض ، وفي ندوة شعْريّة أقيمت لذلك ، يوم الثلاثاء الأول من شهر رمضان المبارك لعام 1415هـ ، الموافق 31/1/1995م
بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي
يا لَهْفَةَ الشَّوقِ ! دَوِّي مِنْ معاقِلهِ
شَوْقًا تُرَجّعُهُ الآفَاقُ والعُصُرُ
شوقًا إِلى الحقِّ ! مِنْ أَنفاسِه عَبقتْ
دُنيا وأورقَ منه الزّهْرُ والشَّجَرُ
شوقًا يُلِحُّ ، وأَكبادٌ تَموج به
وساحَةٌ لم تَزَلْ تَهْفُو وتَسْتَعِرُ
سَاحٌ تمدُّ مَيادينَ الجِهادِ بِهِ
تَوَاصَلتْ وثباتُ الحقِّ والزُّمَرُ
تكادُ تَخْتَرقُ الأزْمانَ ماضِيَةً
يَمُوجُ مِنْ شَوقِها آمَالُها الغُرَرُ
تَلَفَّتَتْ كلُّ دَارٍ وهي ذَاهِلةٌ
إِليكِ يَسْألُ مِنها الوَجْدُ و الحذَرُ
لله درُّكِ مَنْ أَنتِ التي انتفضَتْ
رُبُوعُها وَجَرتْ في ساحِها العِبَرُ
تهيجُ بالحقِّ والتوحِيدِ غضْبَتُها
تُتْلَى بِساحَاتِها الآياتُ والسُّوَرُ
هذي الرَّوابي التي كانَتْ مُنَضَّرَةً
وكلُّ ما فوقَها زاهٍ بها خَضِرُ
ما بالُها اليَومَ قَدْ أَضْحَتْ منوَّرة
بالوَردِ فَاحْمرَّ مِنهُ العُشْبُ والزّهَرُ
أَنا"سَراييفُ"! لا تَعْجَبْ ! هُنا قِممُ
عُلًا يَرِفُّ وَمَجْدٌ ليسَ يَنْدَثِرُ
أَنا"بِهَاتْشُ"و"مُسْتَارٌ"وغَيرُهما
من كُلِّ ناحيةٍ يأتي لَكَ الخَبرُ
هُنَا الأَشَاوِسُ !إنْ جدَّ الوغى التحمت
هذي النِّصَالُ فطارَ الوقْدُ والشَّرَرُ
وَرُجَّتِ الأَرْضُ ! جُنَّت من ملاحمها
لِلّهِ يَدْفَعُها الإِيمانُ والقَدَرُ
هذي الرُّبوع التي يبني معاقِلَها
أُولئك الصِّيدُ والسُّبَّاقُ والصّبُرُ
قد شمّروا لجِنَانِ الخُلْدِ واسْتَبَقُوا
تزاحمت غَزَماتُ الحقِّ والأُثُرُ
سَلي كما شِئتِ يا دنيا ! فَساحتنا
يُجيبُكِ اليومَ مِنْها الصَّبرُ والظفَرُ
تَدَفّق الدَّمُ فوَّارًا بها فَزَهَتْ
وأينَع الزّرْعُ في الساحَاتِ والثمَرُ
فهذه الأرْضُ كم روَّيْتُها فَرَبَتْ
وأينَع الزّرْعُ في الساحَاتِ والثمَرُ
وفي سمائيَ ، لو أبْصَرْت ، من دَمِنا
لآلئٌ زيّنَتْها: النّجمُ والقَمَرُ
وكَلُّ دمْعَةِ ثكلى أصبَحَتْ شُعَلًا
تَشُقُّ مِنْ ظلمة الدنيا وتستعِرُ
كَأنّ تلك مصابيحُ الهدى اْئتَلقَتْ
نورًا يظلُّ مَعَ الأيّام ينتَشِرُ
وكلُّ صَرْخةِ طفلٍ ! والمدى انتهبتْ
أَشلاءَه فَرَمَاهَا المْجرِمُ القذرُ
رَمَى ابْتِسَامَتَهُ والموتُ ينزِعُها
ولهفَةُ الشَّوقِ مِنْ عَينَيْه تنحَسِرُ
وأُمُّه ، ويداها حَوْلَه ، سَقطَتْ
دَمًا وفَوَّحَ مِنْهُ نشْرُهُ العَطِرُ
وفاضَتِ الرُّوحُ ! لا دُنيا تُرَجِّعُها
ولا الحَنينُ ولا الأشْواقُ والذِّكَرُ
وغابَ عن وجْهِهِ دُنْيا طُفولَتِه
وأَشْرَقتْ مِنهُ من أَحْلامه الصُّوَرُ
هُناك في السَّاحِ تلقاها مُجلجِلَة
كأنَما امتدَّ مِنْ ميدانِهَا العُمُرُ
لله درُّ"سراييفو"وإِخوَتِها
أنشودَةٌ والهوى زَاهٍ بَها نَضِرُ
وكُلُّ لْحنٍ غَنيٍّ مِنْ مَلاحِمِها
عَلى فَمِ الدّهْر لحنٌ مِنْكِ مبتكَرُ
لَقَدْ بَنيْتِ إِلى الإِنسان صرحَ هُدى
من الجهادِ ، فَعزَّ الصّرحُ والوزرُ (1)
فَعلِّميه طريقَ الحقِّ كمْ جَمحَتْ
به الدروبُ إِلى الأهواءِ والحُفَرُ
وكم رمَتَهُ على الأَشواك شَهْوَتُهُ
فظلَّ يَدْمَى عَليْهِ جُرْحُه الغَبِرُ
وأَيقظيه ! فكم أغْفَى على سُرُرٍ
فغيّبتْهُ على أحْلامِه السُّرُرُ
وكم تمرَّغَ في وحْلِ الهَوَان وكمْ
رمَاهُ في الذُّلِّ حُبُّ العَيْشِ والخَوَرُ
لله درُّ"سراييفو"إذا وَثبَتْ
تَوَاثَبَتْ دُوَلُ الآفاقِ والبَشَرُ
وكُلَّما خَيَّم الليْلُ البَهيم بِهَا
زَهَتْ وأشْرَقَ من جَوْلاتِها العِبَرُ
فلقِّني الصِّرْبَ مهما طال كِبرُهمُ
وعلّمي الرّوسَ أَنّ الحقَّ مُنْتَصِرُ
وَذكّري حِلْفَ أُوْرُوبَّا وَقَدْ فَزعُوا
فقدْ خَلَتْ قبلَ ذاك الآي والنّذُرُ
وعلّمي دار واشنطُنْ ! فكم نَكَثوا
أَمْرًا وكم نقضُوا عَهْدًا وكم غَدَروا
والمجرِمُونَ عَتَوا في الأرض واقْتَحموا
كُلَّ المسالِك لم يُبْقُوا ولم يَذَروا
وغرَّهُمْ مِنْ بَلاءِ الله أنّهمُ
حَشْدُ فأَعْمى القلوبَ الكِبْرُ والبَطَرُ
فعلّمِي عُصَبةَ الإجرامِ كُلَّهمُ
أَنَّ اللياليَ قد دارَتْ بها السِّيَرُ
وأَشْرَقَ الفجرُ والإسلام تحملُه
هذي الصُّدورُ وهذا العزمً والقَدَرُ
وأَنّهُ لم تَزَلْ في الأرضِ طائفةٌ
بالله ظاهرةٌ لله تَنَتصِرُ
تَلفَّتي يا"سراييفو"إِلى قمَمٍ
يَمُورُ فوقَ ذُراها العاصِفُ الخَطِرُ
تَلفَّتي لذرا"الشيشان"إِن بَها
دَمًا تأَلق منهُ الفَجرُ والسَّحَرُ
ورَجِّعِي مِنْ ذُرا"كَشمير"صَرْختَها
دوّتْ فأَجْفَلَ من هَوْلٍ بها البَصَرُ
ومن ربى المسجد الأَقصى وقد خفتتْ
أَنوارُه ُ وعلاه الغيظ والكَدَرُ
وكُلُّ دَارٍ مِنْ الإِسْلامِ هَائِجَةٍ
عَدَا عَلَيْها عَدوٌّ ظالمٌ أَشِرُ