فريد بن عبد العزيز الزامل السُّليم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية/فرع القصيم 6/1/1424
إن الله تعالى أمر العباد بطاعته وعبادته فيما شرع لهم ، وأمرهم أن يتعلموا ما تستقيم به عبادتهم ، متابعين سنة نبيهم محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وقد جعل بعض العلم فرضًا عينيًا ، يجب على كل فرد ، وهو ما يحتاجه في تأدية عبادته الواجبة .
والفتوى من أهم سبل التعلم ، إذ إن جميع فئات المجتمع المسلم تشترك في اتخاذها سبيلًا له ، فإن الفتوى مشروعة للعامي ، وطالب العلم الصغير والمتوسط ، والعالم المقلد ، وهذه الأصناف تشكل غالب المجتمع ، أما العلماء المجتهدون فقد نُصَّ على عدم جواز تقليدهم مع علمهم بالأدلة (1) .
ولهذه المكانة التي تبوأتها الفتوى عُنيَ بها العلماء عناية عظيمة ، فبحثوا مسائلها في أبواب أصول الفقه ، كما صنفوا فيها التصانيف المختلفة ، المطولة والمختصرة .
ولهذه الأهمية العظمى ، وشديد التصاقها في حياة الناس خصص لها في الوقت الحاضر برامج خاصة في قنوات الأعلام المختلفة ، المقروءة والمسموعة والمرئية ، وقد اختلفت مناهج تلك البرامج اختلافًا ظاهرًا ، مما أوجد لكل منهج سلبيات وإيجابيات ، كما أحدث تفاعلًا متفاوتًا من الجماهير ، محمود وغير محمود ، سأحاول في هذه الصفحات -بإذن الله تعالى- عرض ذلك ، منظرًا ومناقشًا.
-برامج الفتوى:
برامج الفتوى في الإعلام المعاصر تظهر في نوعين من الإخراج:
الأول:برامج الفتوى المسجلة: تستقبل هذه البرامج أسئلة الجمهور قبل بث الحلقة ، وتعرض على المفتي ، يتفحصها ويعد الإجابات والتوجيهات ، ثم تعرض الحلقة على شكل أسئلة وأجوبة ، يلقيها المفتي أو تلقى عليه الأسئلة ويتولى هو الإجابة .
ويتسم هذا الشكل بميزات عديدة ، من أهمها عدم ارتجالية المفتي التي قد تؤدي إلى الغلط . وهذا النوع ليس موضع الحديث .
الثاني: البرامج المباشرة ، التي يلقى فيها السؤال على المفتي أثناء عرض الحلقة ، ويتولى الإجابة على الفور . وهذا موضع حديثنا ..
-برامج الفتوى المباشرة:
والواقع أن هذا الشكل من برامج الفتاوى هو صاحب القدح المعلى في الفترة الأخيرة .. لكثرة القنوات الفضائية التي تتسابق لكسب أكبر عدد ممكن من المشاهدين ، مع كونها تتحرك في حرية تامة أو شبه تامة فيما تبث ، فهذا الشكل هو الأوسع انتشارًا ، والأكثر قبولًا ، لما فيه من ميزات كثيرة ، فهو يستجيب لداعي العجلة المغروس في كل فرد .. ويكفي المستفتي عناء الانتظار والارتقاب لحين عرض مسألته في البرامج المسجلة ، كما أن المستفتي يختار بنفسه العالم الذي يطرح عليه أسئلته ، وهذا يتخلف في البرامج التي تعرض الأسئلة فيها على أكثر من عالم .
ولهذه البرامج صورتان تقدم فيهما الأسئلة ، الأولى: أن يستقبل مقدم البرنامج مجموعة من الأسئلة ، ثم يعرضها على العالم بعد ذلك واحدًا واحدًا ، والثانية: أن يستقبل المعد كل سؤال على حدة ، ويعرضه على العالم مباشرة ، وربما حاور العالم السائل ، ولكل من الصورتين محاسن ومساوئ ، أعرضه لها فيما بعد إن شاء الله تعالى .
-مع اختلاف الفقهاء:
لكل عالم مذهب معين ينتمي إليه ، كما أن له اجتهادات خاصة يفتي فيها بما ترجح عنده من الأدلة ، لهذا يحدث الاختلاف بين المذاهب ، كما يحدث بين أقوال العلماء الخاصة المبنية على اجتهاداتهم . وكل بلد من البلدان الإسلامية يعتمد مذهبًا تعمل فيه مؤسساته الشرعية على اختلافها ، ويفتي فيه علماؤه ، أو يكون منطلقًا لاجتهاداتهم الشخصية ، وعلى ذلك انبنت أعراف وتقاليد تلك البلدان ، وعلى تلك الفتاوى سار أبناؤها ، وتوارثوا عاداتهم جيلًا بعد جيل ..