فهرس الكتاب

الصفحة 25346 من 27345

بسم الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما، لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنا، والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن، وعلى آله وصحبه الأطهار، ومن لزم غرزهم من الأخيار إلى يوم الدين..

نسائم ذكر حكيم هي: جلسات مع آيات من القرآن الكريم، تمر علينا في الختمات، نسمعها وتتحرك معانيها في نفوسنا، ونحتاجها في كل حين؛ لأنها تعمق فهما، ترسخ عقيدة، تؤسس طمأنينة، تغرس راحة، تنفي خبثا في النفس، ووسوسة في الروح، وتطرد طائفا من الشيطان، فإذا هي مبصرة.

والآية التي تصدرت لوحة النسائم هذه، هي المنطلق والأساس الذي حرك النفس لهذه النسائم القرآنية، ولما لها من أهمية في معانيها وما تحمله من إيحاءات، فسيكون البدء بها بحول الله - تعالى -وفتحه.

قال - عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] . وفي سورة الزخرف: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3] به يكون تمام التعقل؛ ففيه القيم، وفيه المنهج، وفيه تحليق الروح، وفيه السُنن، وفيه هداية القلب، وفيه منهج الحياة الزائلة، وطريق الحياة الباقية.

وحتى نعي التعقل في بعض جوانبه، نراجع القرآن فيمن لا يعقلون؛ قال - تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] وهذه الآية جاء بعدها: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} . فإما لا عقل، وإما استجابة لله وللرسول، بهذه الاستجابة يكون الفرار والخروج من الافتتان بشتى صوره، أو لا عقل، ووقتها يكون التيه في الفتن، والله شديد العقاب.

وفي قول الله - تعالى: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] . نفي لصفة العقل، عند يهود، ونتج عن غياب العقل الرباني؛ تشتت في القلوب، وخوف وهلع، وبأس يصرف للداخل.

قال القرطبي:"وفي قراءة ابن مسعود (وقلوبهم أشت) يعني أشد تشتيتا ; أي أشد اختلافا".

والقرآن الكريم عندما نكون على صلة قوية به، هو مصدر هذا التعقل الأولي والأخير، يجمع شتات القلب، لتجتمع القلوب، ويعلي من قابلية الاستجابة في النفس لأوامر الشرع، ويبعد عن افتتان وخوض في المتاهات، ويجعل العزة في أوجها، ويصرف البأس لعدو مشاكس، لا إلى قريب مخالف.

ثم الله ولي التوفيق والسداد في سباعية هذه النسائم، التي نسأل الله أن يفتح علينا فيها بفتوح العارفين به، وأن يبعد عنا الزلل.

{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (1)

حين تنقبض النفس من صنوف الكبَد الكثير في الحياة، ووقت أن تنقبض الروح في أمواج المواقف والمشاهد المؤلمة المتكررة، وساعة أن يشعر المرء أنه قد ظُلم أو تعب أو أُرهق، ساعتئذٍ تترتل هذه الآية في صالات قلبه، ويبدأ صداها يتردد في غرف الجسد كله.

صدىً ليس كترديد البشر؛ إذ تارة يكون متناغما مع ذاتك ومعزوفتك، وتارات كثيرة أخرى يكون كاللحن النشاز، حتى تمسي تظن أن معزوفة روحك وفكرك وعقلك وتعبك وجهدك، كأنها هي التي لم تصاغ بشكل ولحن جميل.

و تتوارد على نفسك الخطوب، وتبدأ أمواج الضيق، و تتوالى رياح الغم؛ من موقف قريب لك، أو خسارة في تجارة مع الله أو مع دنيا الناس، أو فقدان للأمن والأمانة، أو شعور بجرح الخيانة، أو يأس ممن حولك، أو أمل في تغيير تتمناه.

في هذه الصورة التي تُعرض كأنها فيلم مصور، له إيقاعاته، وأبطاله، وموسيقاه التصويرية الصاخبة في داخلك، هذه الصورة تجعل كل شيء عندك، لا يساوي شيئا، مطلقا. لا مال، ولا ولد، ولا زوج، ولا نفس، ولا ذات.

فيبدأ الصدى المبارك في حنايا نفس المؤمن بهدوء جميل جدًا، يسري في الصدر كأن عصافير الراحة بدأت ترفرف وتغرد، وتسيل معه العيون بحبات من الندى، لا تمسي حتى تهطل مطرا مباركا، وتبدأ عيون القلب في العمى عن كل الصور، إلا صورة ربها، صورة قدرته، وعلمه، و وده، وجبروته، وعزته، ورحمته التي وسعت كل شيء، - سبحانه -.

وفي المضطر:

"قال ابن عباس: هو ذو الضرورة المجهود."

وقال السدي: الذي لا حول له ولا قوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت