المفهوم اللغوي:
تُعَرِّف كتبُ اللغة (1) أسرةَ الرجل (بأنهم رهطه الذين يتقوَّى بهم) .
ورهط الرجل: (أهله ، وقومه ، وقبيلته ، وعشيرته) وتُقَدَّرُ عدة الرهط عادةً ، بما فوق الثلاثة، ومادون العشرة ، وتضيف بأن أصل الأسرة هو الشد بالقيد ، ومنه يقال أُسِرَ الرجل إذا أوثق بالقيد وهو الإسار .
ويعرف الناس جميعًا بالبداهة أن الأسرة تتكوّن من والدين هما المرأ وزوجه ، ومن أولادهم وذوي قرباهم: من جدين وجدتين وأعمام وعمات وأخوال وخالات وأبنائهم جميعًا .
وعلى هذا ، فإن الأسرة هي هذا المجتمع الذي يوكل إليه أمر التقيد بالأعراف الاجتماعية ، والتزام العادات والتقاليد الحضارية ، واتباع القيم الدينية ، والأخلاقية ، ونقل مفهوماتها السامية نقية صافية إلى الأجيال المتعاقبة عبر العصور .
المفهوم الإسلامي:
ولأمر مالم يرد لفظ (الأسرة) بهذا الاستعمال في القرآن الكريم ، ولا في السنة النبوية المطهرة ، إلا أننا نجد المفهوم متداولًا فيهما بألفاظ أخرى ، لعلها تكون هي المفاتيح الموفقة للبحث الطريف في محاور الموضوع المطروق ، والمناهج المعجزة المفيدة في فتح كنوزه ، وإثراء جوانبه إثراءً يزيدها الاستقراء والتحليل إشراقًا وعمقًا ، كلما ازداد المرأ فيها إمعانًا وفكرًا .
يبين القرآن الكريم للناس في الآيات الأولى من سورة النساء أن المجتمع الإنساني ، بعشائره ، وقبائله، وأقوامه ، وأممه وشعوبه ، ذو أصل واحد، ومنشأ واحد ، عنه يصدرون ومن وحدته يتفرقون منبثين في أطراف الأرض ، رجالًا كثيرًا ونساء . يجمعهم جامع التقوى عن طريق الإيمان بالله ، كما تجمع بينهم آصرة الرحم .
?يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوْا رَبَّكُمُ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَّاحِدَةٍ وَّخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيْرًا وَّنِسَآءً وَّاتَّقُوْا اللهَ الَّذِيْ تَسَآءَلُوْنَ بِه وَالأَرْحَام. إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبًا? (2) .
فلعل الناس بعامة ، والمسلمين منهم بخاصة ، يحنون إلى وحدة المنشأ ، ويرجعون إلى أصل الخلق، إذا ما تشعبت بهم الأحوال ، وتشابهت عليهم الطريق .
?يَآ أَيُّهَا النَّاْسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَّأُنْثاى، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْبًا وَّقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوْا . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ، إِنَّ اللهَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ? (3) .
التعارف: غير التناكر ، التعارف: تعايش وتكامل . التعارف: سبيل إلى الوحدة ، ورجوع إلى الأصل وميل إلى الحس الخلقي الكريم ، والتزام بالوازع الديني القويم ، واختبار للتقوى الجامعة .
?فَاتَّقُوْا اللهَ حَقَّ تُقَاتِه ، وَلاَتَمُوْتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُوْنَ? .
من أجل ذلك ، حرص الإسلام الحرص كله على صيانة هذه الرابطة الإنسانية من عبث العابثين، نواة أولية لكل الوحدات ، بذرة طيبة منها يتكاثر الخير والإيمان ، والصلاح ، خلية وطنية منها يتناسل التعارف والتوادد بين الناس على تقوى من الله ورضوان .
الزواج في الإسلام:
الزواج في الإسلام رابطة مقدسة من روابط وحدة المجتمع الإسلامي .
وقد أحكم الإسلام صياغة نظام الأسرة المسلمة أحسن أحكام شرعي وأدقه ، وأتقن تشريعاتها خير إتقان وأكمله ، وتوج ذلك كله بنظام (الزواج) علاقة شرعية مقدسة ، وآية من آيات الله المحكمة لقوم يتفكرون .
?وَمِنْ آيَاتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوآ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةً وَّرَحْمَةً ، إِنَّ فِيْ ذالِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُوْنَ? (4) .
إن من آيات الله للناس هذه الرابطة الربانية المجتمعية ، التي تجمع المرء بزوجه ، سكنًا كل منهما لصاحبه ، ومودة ورحمة ، سكنًا يتساكنان فيه ، ومودة يتوادان بها ، ورحمة يتراحمان بها: فلا مفرق لما جمع الله منذ الأزل ، ولامشتت لما وحد الله منذ الخلق الأول .
لهذا فصل الله سبحانه وتعالى أحكام الأسرة في كتابه العزيز فروعًا وأصولًا ، وتولت السنة المطهرة بيان نظمها وتأصيل مقاصدها في نفوس المسلمين ، فلا يملك الذين يخالفون عن أوامرها المقدسة لها تبديلًا ولاتحويلًا .
?فَلْيَحْذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُوْنَ عَنْ أَمْرِه أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ? (5) .
وأنه لمن حسن طالع المسلمين في هذا العصر، وفي كل عصر ، أن تبقى هذه الرابطة لدى عامة الناس وخاصتهم أمرًا إسلاميًا مؤكدًا ، وشرعًا دينيًا مخلدًا ، وخلقًا حضاريًا ممجدًا ، على الدوام والاستمرار .
وانه لبشير خير ، وطالع يسر أن تسلم هذه المؤسسة ، وهي أم المؤسسات ، من عاديات الزمان وسوءات التطور ، لتتدعم بسلامتها بقية المؤسسات الإسلامية الأخرى وتتقوى .