المحتويات
مقدمة
متى يكون سوء الفهم آفة ؟
أسباب الظاهرة
السبب الأول: سوء النية:
السبب الثاني: سوء الظن
السبب الثالث: الخلفية السابقة
السبب الرابع: إهمال الظروف المتعلقة بالشخص
السبب الخامس: الحرص تنزيل الكلام على معين
السبب السادس: القول باللازم
السبب السابع: عدم إدراك أطراف الموضوع
السبب الثامن: الربط المتكلف
السبب التاسع: التصحيف وركاكة الفهم
من وسائل العلاج
أولا: حسن الظن بالمسلمين
ثانيًا: الابتعاد عن تتبع عورات المسلمين
ثالثًا: الأمانة والانضباط في النقل
رابعًا: الجمع بين المتفرق
مقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:
نسمع كثيرًا أن فلانًا قال كذا، وفلانًا فيه كذا، سواءً في الحكم على الأشخاص أو على الكتب، أوعلى الجماعات أو على المجتمعات، أو على الأعمال والجهود . نسمع أحكامًا أحيانًا متناقضة ومتباينة، بل نسمع من يقول إن فلانًا يقول كذا وكذا، ويعتقد كذا وكذا، فيقول الرجل بأعلى صوته -و هو رجل مسلم الأصل فيه العدالة والصدق- إني لا أقول كذا، إني لا أعتقد كذا، إني براء من كذا، فيقال له كذبت بل أنت تقول كذا، أو بعبارة أخرى نحن أعلم منك بكلامك، وربما نحن أعلم منك بما في قلبك، ونحن أعلم منك بنيتك! إن هذا لسان حال الكثير من الناس الذين يحاكمون الآخرين إلى أفهامهم، ونظراتهم وقناعاتهم هم.
ثمة ظاهرة عادية تحصل بيننا كثيرًا، في الاتفاق على موعد أو نقاش أي قضية من القضايا، نفترق وكل منا في ذهنه أن الاتفاق قد تمّ على أمر محدد، ونختلف في الموعد ثم يحصل النقاش والجدل، فيدعي كل منا خلاف صاحبه.
إنه مظهر من مظاهر سوء الفهم، فأحد الشخصين قد أساء الفهم، ولا يوجد احتمال للكذب ولا للروغان، إنما هو احتمال واحد وهو سوء الفهم، وهي مواقف تحصل كثيرًا في حياتنا؛فنحكم العقل والمنطق لأننا نحتاج إليه، وتنتهي هذه المشكلة. لكن سوء الفهم قد يمتد وينتج عنه نتائج ومواقف أخرى، وقد يكون مصدرًا للحكم على الآخرين وتقويمهم؛ ومن ثم كان لابد من الحديث عن سوء الفهم.
متى يكون سوء الفهم آفة ؟
أولًا: ليس غريبًا أن يسيء المرء الفهم، وهذا كثيرًا مايحصل في حياتنا؛ فقد تسمع كلامًا من أحد الناس فتفهم منه خلاف ماكان يقصد.
بل إن الخطأ في الفهم حصل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك مواقف كثيرة لاتخفى عليكم لعلي أشير إلى بعضها إشارة عاجلة.
* حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في غزوة بني قريظة في قصة مشهورة:"لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"كان منهم من صلى في بني قريظة فأخر صلاة العصر حتى وصل بعد خروج الوقت؛ ففهم أن المقصود أن يصلي العصر نفسها في بني قريظة، ومنهم من فهم النص فهمًا آخر، ففهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد منهم أن يعجلوا في المسير إلى بني قريظة؛ ومِن ثمّ أدّوا الصلاة في الطريق.
* صورة أخرى: حين نزل قول الله عز وجل: (( و كلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) )جاء عدي رضي الله عنه فوضع عقالين عند وسادة- خيطين أبيض وأسود- وأصبح ينظر إليهما، فلما استبان له الأبيض من الأسود أمسك، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مداعبًا:"إن وسادك لعريض"أي كأنك قد توسّدت الأفق، إنما هو سواد الليل وبياض النهار.
* وقال عز وجل: (( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم ) )لقد خطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها. أي بعبارة أخرى أنكم تخطئون في فهم المقصود من هذه الآية، إذن فكان هناك من يخطئ في فهم هذه الآية ممن كان يخاطبهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
* وقال عز وجل: (( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) )، وقد فهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية فهما آخر، فمنهم من شرب الخمر متأولًا هذه الآية في عصر عمر رضي الله عنه. ثم دعاهم وقرّرهم بالحكم. لا يهمنا بقية القصة وما يتعلق بها إنما الشاهد أن هناك من فهم من هذه الآية خلاف مادلت عليه.
* وقال عز وجل: (( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم ) )، سأل عروة بن الزبير رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها فقال: أرأيتِ قوله تعالى ثم ذكر الآية .. ففهم عروة رضي الله عنه من هذه الآية أنها تدل على أن الطواف بالصفا والمروة ليس واجبًا، فصححت له عائشة رضي الله عنها هذا الفهم وأخبرته بسبب نزول هذه الآية الكريمة.