سلمان بن يحي المالكي
أولا: بدء خلقهما:
يقول الله - تعالى - في سورة الحجر:"ولقد خلقنا الإنسان من حمئ مسنون * والجان خلقناه من قبل من نار السموم"فهذا نص قرآني يدل على أن الجن خلقت قبل الإنس، لكن هل عمروا الأرض أو لا..؟ هذا سؤال عائم لا نستطيع أن نجيب عليه، لكن هناك شواهد وقرائن ليست منطوقة لكنها مفهومه في أن الجن عمروا الأرض، ومنها: قول الله - تعالى - على لسان ملائكته لما أخبرهم - سبحانه وتعالى - أنه سيخلق بشرا قالوا"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"وقد كثرت أقوال علماء التفسير حول هذه الآية وقالوا: أن ذلك القول من الملائكة ناجم عن أن الجن كانت تفسد في الأرض، وهذا هو مفهوم الآية لا منطوقها.
ثانيا: المادة التي خلق منها الجن والإنس.. ؟
من ناحية المادة التي خلق منها كل من الجن والإنس، فمن المعلوم أن الجن خلقهم الله - تعالى -من نار، والإنس خلقوا من طين لأنهما يرجعان إلى أبائهما، فآدم خلق من تراب وإبليس خلق من نار، قال الله على لسان إبليس"قال أنا خير منه خلقته من نار وخلقتني من طين"وفي آية"أأسجد لمن خلقت طينا".
ثالثا: ما هي الهيئة التي خلق عليها كل من الإنس والجن. ؟
أما الهيئة التي خلق الله - تعالى -عليها الإنس فهي جميلة، يقول الله - تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"فالإنسان مكرم في خلقه، قال الله - تعالى:"ولقد كرمنا بني آدم"ولهذا قال بعض العلماء كالشافعية أن الإنسان لو كانت امرأته في غاية الحسن، ثم قال لها: أنت طالق إن لم تكوني كالقمر، فلا تطلق المرأة بهذا القول، لأن الله - تعالى - يقول:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"هذا من ناحية الإنس، أما الجني فإنا لم نراهم قطعا كما قال الله:"إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم"لكن الجن مستقر في أذهان البشر جميعا أنه قبيح الخِلقة، وهذا يؤيده ظاهر القرآن، قال الله - تعالى -عن شجرة الزقوم:"طلعها كأنه رؤوس الشياطين"وهذا من أساليب العرب في كلامها، فالعرب لم تر الشياطين حتى تُشبَه لهم شجرة الزقوم بأن طلعها كأنه رؤوس الشياطين، لكن استقر في الأذهان وفي طباع الأنفس عند الناس جميعا أن الجن والشياطين منهم على وجه الخصوص قبيحي الخلقة، فعاملهم الله - تعالى - بنفس أساليب كلامهم، والقرآن الكريم نزل عربيا، فالجن في الأظهر أنهم غيرُ حسنِ الخلقة، وقد يُقال أن هذا منصرفٌ لشياطينهم فقط وهذا قول جيد، لكن لا نستطيع أن نجزم به.
رابعا: القدرة التي منحوا إياها.. !
أعطى الله - تعالى -الجن القدرة على التشكل، وهذا يؤيده حديث أبي السائد - رحمه الله تعالى -عن أبي سعيد الخدري رضي الله - تعالى -عنه في صحيح مسلم وأخرجه الإمام مالك في الموطأ، وذلك أن أبا السائد وهو من التابعين دخل على أبي سعيد الخدري الصحابي المعروف، فإذا هو يصلي، ولما كان أبو السائد ينتظر أبو سعيد من صلاته إذ سمع حركة في عراجين البيت، فنظر فإذا هي حية عظيمة، فهمَّ أن يقتلها، فأشار إليه أبو سعيد وهو فصلاته أن مكانك، فتريث أبو السائد - رحمه الله - فلم فرغ أبو سعيد من صلاته أخذ بيد أبي السائد وأخرجه من الدار، وأشار إلى دار أخرى فقال له: أرأيت تلك الدار.. ؟ فإنها كانت دارا لفتى منا معشر الأنصار، كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخندق، وكان الفتى حديث عهد بعرس، فاستأذن الفتى النبيَ - صلى الله عليه وسلم - أنصاف النهار أن يأتي أهله، فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك مكر بني يهود، فأخذ سلاحه وقدم على داره، فوجد عروسه على باب الدار، فأخذته الغيرة وهم أن يطعنها بالرمح، فقالت له: أكفُف عليك رمحك وادخل الدار، فلما دخل الدار، وجد حية عظيمة ملتوية على فراشه، فطعنها فاضطربت عليه، فمات الاثنان، الحية والفتى، قال أبو سعيد: فلا يُدرى أيهما أسبق موتا، فأُخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن بالمدينة إخوانا لكم من الجن، فإذا رأيتم مثل هذا فآذنوه ثلاثا، فإن بدا لكم أن تقتلوه فاقتلوه فإنما هو شيطان"، يتحرر من هذه القصة أن تلك الحية لا تخلوا أن تكون واحدا من ثلاث."
أولا.. إما أن تكون حية حقيقة فهذا يجوز قتلها بعد ثلاث.
ثانيا.. وإما أن يكون شيطانا فيقتل لأنه شيطان.
ثالثا.. وإما أن يكون جنيا فسيخرج بعد الثلاث. فإذا لم يخرج في هذه الحالة فستبقى الحالة محصورة في اثنين: إما حية حقيقة فيجوز قتلها لأنها من الفواسق وذوات الضرر، وإما شيطانا فكذلك يجوز قتله.
هذا التشكل العظيم أمر لم يعطه الله - تعالى -لبني آدم.