فهرس الكتاب

الصفحة 6896 من 27345

الخط عربة العلم

بقلم: الأديب الإسلامي معالي الدكتور عبد العزيز عبد الله الخويطر

الرياض ، المملكة العربية السعودية

وهكذا بلغت العناية بالخط مبلغها ، إذا استعان رجال مثل هذين الرجلين بمثل هذا الخطاط المشهور، وأخذاه معهما لينقطع لتعليمهما الخط وتحسينه .

والقصة الآتية طريفة ، تري أهمية خط ابن البواب ، وشغف الناس بخطه ، ومدى البحث عنه واقتناء شيء منه ، ودفع ثمن عال مقابل الحصول على قطعة منه . وفي القصة فوائد أخرى تذكرنا بما يجري اليوم مع التحف من أن هناك من يبيعها جاهلًا قدرها وقيمتها ، وهناك من يشتريها عارفًا قدرها ، وقيمتها ، ولمحة عن الخُلُق في ذلك الزمن، ويقظة الضمير، ومحاولة نقائه ، بالبعد عن الغش والخداع في بضاعة من السهل فيها أن يُخدَع المرء أو يَخْدَع:

قال الراوي:

"بلغني عن رجل معلم في بعض محال بغداد أن عنده جُزَازًا كثيرًا ورثه عن أبيه ، فخيل لي أنه لا يخلو من شيء من الخطوط المنسوبة ، فمضيت إليه، وقلت له:"

أحب أن تريني ما خلف لك والدك عسى أن أشترى منه شيئًا .

فصعد بي إلى غرفة ، وجلست أفتش حتى وقع بيدي ورقة بخط ابن البواب ، قلم الرقاع ، أرانيها أيضًا ، فضممت إليها شيئًا آخر لا حاجة بي إليه ، وقلت له:

بكم هذا ؟

فقال لي: يا سيدي ، ماصلح لك في هذا كله شيء آخر ؟

فقلت له: أنا الساعة مستعجل ، ولعلّي أعود إليك مرة أخرى .

فقال: هذا الذي اخترته لا قيمة له ، فخذه هبة مني .

فقلت: لا أفعل ، وأعطيته قطعة قُراضة ، مقدارها نصف دانق .

فاستكثرها ، وقال:

ياسيدي ما أخذت شيئًا يساوي هذا المقدار، فخذ شيئًا آخر .

فقلت: لا حاجة لي في شيء آخر .

ثم نزلت من غرفته ، فاستحييت ، وقلت: هذا مخادعة ، ولاشك أنه قد باعني ما جهله ، ووالله لا جعلت حق خط ابن البواب أن يُشترى بالمخادعة ، فعدت إليه ، وقلت له:

يا أخي هذه الورقة بخط ابن البواب ، فقال:

وإذا كانت بخط ابن البواب ، أي شيء أصنع؟

قلت له: قيمتها ثلاثة دنانير إمامية .

فقال: ياسيدي ، لا تسخر بي ، ولعلك قد عزمت على ردها ، فخذها ، وحُطَّ الذهب .

فقلت: بل أحضر ميزانًا للذهب .

فأحضرها ، فوزنت له ثلاثة دنانير، وقلت له:

بعتني هذا بهذا ؟

فقال: بعتك .

وأخذتها وانصرفت". (1) "

هذا الموقف الطريف يكشف جوانب في حياة أهل الفكر في ذلك الزمن ، الذي لم يختلف كثيرًا في بعض جوانبه ؛ فكثير من الأبناء اليوم عندما يموت سيد البيت ، ويترك مكتبة عامرة بنوادر الكتب ، ونفيس المخطوطات ، ثم تباع في تركته بثمن بخس، أو تؤول إلى من لايعرف قدرها من أبنائه ، فتصبح يتيمة بين جدران بيته ، ومضاعة على رفوف المكتبة ، وقد تتبعثر بالبيع والاستعارة ، أو تأكلها الأرضة ، ويبليها الجو الفاسد حولها .

وعن الآلات المستعملة للكتابة ، ومظهر العناية بها من قبل الناس والخلفاء ، واهتمامهم بها، والتفاتهم إليها ماورد في النص التالي عنها:

"حدث محمد بن الجهم السمري ، قال:"

كنا إذا أتينا الأحمر تلقانا الخدم ، فندخل قصرًا من قصور الملوك ، فيه من فرش الشتاء في وقته ما لم يكن مثله إلا دار أمير المؤمنين ؛ ويدفع إلينا دفاتر الكاغد والجلود ، قد صقلت ، والمحابر المخروطة ، والأقلام والسكاكين". (2) "

وكان الخط مما يُفْرَد المرء بالمدح به إذا أتقنه، ويوضع في مقدمة صفوف المتعلمين ، وقواد الفكر، وهذا نص عن ابن المبارك ، يبجله ، ويعطيه حقه من التقدير، ويبلغ ذلك مبلغه عندما يقارن بابن البواب، ويقرن به، وابن البواب من المحاور التي لا يتعداها المدح ، فهو يدور حولها، ولا يبعد عنها:

"كان المبارك بن المبارك بن المبارك - رحمه الله - فاضلًا زاهدًا عابدًا ورعًا إمامًا، أوحد زمانه في حسن الخط على طريقة علي بن هلال بن البواب ."

وكان ضنينًا بخطه جدًّا ، فلذلك قلّ وجوده، كان إذا اجتمع عنده شيء من تجويداته يستدعي طستًا ويغسله، فأما إذا اُستُفْتِيَ فإنه كان يكسر قلمَه، ويجهد في تغيير خطه". (3) "

ولا يتبين لنا السر في هذا ، مع أن حسن الخط هبة فضلٍ من الله سبحانه وتعالى ، ونعمة كبرى ضافية ، شكرها في إشاعة نورها، كأن يكتب بها القرآن ، ينسخ بها الصحاح ؛ ولعل السبب في فعله، ومحوه آثاره، وطمس معالمها، وحنقه على قلمه وكسره، أنه خشي أن يشارِكَ فيما قد يكون رأى أنه إثم ، فقد يكون الناس في احتفالهم بالخط دون فحواه متَعَبِّدين ، والعبادة لا تجوز إلا لله وحده، والمغالاة في تقدير الجماد قد تفضي إلى نوع من تعلق القلب بها ، وهذا قد يفضي إلى عبادة آثمة، وهو ما التفت له الإِسلام في الصور، التي عبدت في زمن الجاهلية، ولا تزال تصرف لها العبادة في بعض الأديان، وفي بعض المعتقدات الوثنية.

ولعله يرى أن المهم معنى النص ، وما احتوى عليه من إرشاد، وما الخط إلا خادم له، ووعاء لحمله، والأمر يقلب رأسًا على عقب عندما يصبح الخادم سيدًا، والحاوي محتوى، وهذا ما أرعب ابن المبارك، وجعله يفعل ما فعله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت