حيرة الترابي بين الشهادة والغيب أنور الطيب قسم الله المهل*
توطئة لابد منها:
العلم كما ورد في كثير من المعاجم هو إدراك الشيء لحقيقته وقد يتأتى بطريقين إما إدراك ذات الشيء أو إدراكه بوجود شيء آخر يدل عليه فمثال الأول رؤية ا لشمس مباشرة فهي دليل على وجودها ومثال الآخر هو رؤية الظل الذي يدل على وجود الشمس أو المصدر الضوئي. والمعرفة هي إدراك حقيقة الأشياء بشيء من التفكر والتدبر ولهذا تكون المعرفة أخص من العلم.
والعالم من حولنا عالمان ، عالم الشهادة وعالم الغيب ، فعالم الشهادة هو ما خبرناه عن طريق حواسنا الخمس ، فالجسم الحار يستدل على وجوده بحرارته عن طريق اللمس أو أدواته . وعالم الغيب هو ما غاب عن حواسنا ولا سبيل لنا لإدراكه بأي أداة من أدوات عالم الشهادة. فالجن غيب لا يمكننا إدراكهم عن طريق الحس. ولا يوجد سبيل لمعرفتهم إلا عن طريق الخبر ، و استخدام أدوات الحس لإدراكهم ضرب من ضروب المستحيل.
عالم الشهادة:
عالم الشهادة هو العالم الذي خبره الإنسان واستخدم أدوات يعتمد عملها على الحواس الخمس إما مباشرة أو عن طريق غير مباشر . فالأجسام الحارة يمكن لمسها مباشرة للتأكد من حرارتها ، أو يمكن أن نستخدم مقياسا للحرارة لتسجيل حرارتها ، أو يمكن أن نستخدم جزءا من الطيف الكهرومغناطيسي للتدليل عليها ، مثل استخدامنا للأشعة تحت الحمراء للتمييز بين الأجسام الباردة والحارة ، فصورة القمر الصناعي المأخوذة عن طريق الأشعة تحت الحمراء تعتمد في رصدها لدرجات الحرارة على صفة هذا الطيف المنبعثة من الجسم وبالتالي تتمكن أجهزة الرصد من التمييز بين الأجسام الحارة والباردة.
وعلى هذا فقس ، فالكائنات الدقيقة لا نراها بالعين المجردة ولا يمكن للعين المجردة رؤيتها أصلا ، ولكن عوضا عن ذلك يستخدم الإنسان عدسات مكبرة لرؤيتها ، فهذه العدسات المكبرة لا ترينا الكائن الدقيق ، ولكن صورة تقديرية لهذا الكائن الدقيق ، بمعنى أن نضع هذا الكائن الدقيق بين بؤرة العدسة المكبرة وبين مركزها البصري حتى يتسنى لنا تكبير الصورة ، فما نراه حقيقة هو صورة لهذا الجسم الدقيق أيا كان ، وقد استطاع الإنسان أن يرى صور أشياء صغيرة جدا بحيث أنها تقدر بالنانومتر [1] أو الأنجستروم .
وبالنسبة لعالم الأصوات يمكن إدراكه بواسطة حاسة السمع أو أدواتها ، فمجرد سماعك لدوي يدلل على وجود انفجار ، قد يكون قنبلة أو إطار سيارة أو أي شيء مشابه ، وقد تعتمد على صدى الصوت في تحديد عمق بحر ، حفرة ، أو بئر نفطية ، أو حتى جنين في رحم أمه .
وحتى لا أطيل فإن عالم الشهادة أدواته معروفة وفي تطور مستمر بمعنى أن الإنسان كلما طور أدواتا جديدة كلما استطاع الولوج إلى معارف جديدة في عالم الشهادة ، فقبل أنتوني لفن هوك لم يتعرف الإنسان على البكتريا ، لكن هذا لا يجعلها في عالم الغيب ، بل هي في عالم الشهادة ولكن لم يكن لدينا من الأدوات ما يمكننا من رؤيتها. ولا يختلف البشر كثيرا في عالم الشهادة فهو عالم خبروه وخبروا أدواته وعملوا على تطويرها ، وبدأ يتكشف لهم هذا العالم شيئا فشيئا من مجراته الكبيرة إلى ذراته الصغيرة وما زال.
إشكالات المشاهدة:
ورغم أن الإنسان طور كثيرا من الأدوات لإدراك عالم الشهادة إلا أنّ هذا لا يثبت إحاطته التامة بها ، فهذا منوط بالأدوات التي يستخدمها ، فالشخص الذي ليس لديه أدنى فكرة عن العدسات والمرايا لا يستطيع أن يستوعب فكرة وجود البكتريا ، كما أنّ الشخص الرائي لهذه البكتريا لابد أن يدرك أنّ هذه صورة للبكتريا وليست البكتريا نفسها . والصورة ليست كالحقيقة ، فقد تتشوه هذه الصورة تبعا للأدوات التي نستخدمها وبالتالي ما نراه قد يكون صورة أقرب للحقيقة وليست الحقيقة نفسها !
والصورة التي يأخذها القمر الصناعي للأرض قد تختلف باختلاف الطيف الكهرومغناطيسي الذي نستخدمه وبالعوامل الجوية التي تؤثر في هذا الطيف فكلما كانت هذه العوامل عائقا في تكوين صورة مقاربة للحقيقة فإنه يصاحبها نسبة من الأخطاء لا نستطيع أن نتداركها ، لكن نستطيع تقليل نسبتها إلى حد كبير ، وبالتالي الصورة المتكونة ليست بالضرورة هي الحقيقة ولكن صورة أقرب للحقيقة مما يجعلنا أن نضع في الحسبان نسبة الخطأ الذي يصاحبها أو كيفية تصحيح هذه الأخطاء بطريق يقنعنا بأنّها أقرب للحقيقة . وكلما تطورت أدواتنا وقلة نسبة أخطائها كنا نحن أقرب للحقيقة.