فهرس الكتاب

الصفحة 18361 من 27345

بقلم ماجد بن عيد الحربي

"...إن الناظر الى عصرنا الحالي يرى التشابه الكبير بينه وبين عصر الطوائف بالاندلس من حيث الدعوة النشطة لخروج المرأة من خدرها وتنحيتها عن المهمة التي وجدت من أجلها ..."

بينما كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير ليلا في أزقة المدينة لتفقد أحوال الرعيّة طرق سمعه صوت إمراة تنشد وهي تتغزل بأحد شبّان المدينة قائلة:

هل من سبيل إلى خمر فأشربها أو من سبيل إلى نصر بن حجاج

إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل سهل المحيا كريم غير ملجاج

فعمر الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم { بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا إمراة تتوضأ إلى جانب قصرقلت لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته وولّيت مدبرا} لم تمرعليه هذه الحادثة مرور الكرام فقد قضى ليلته دون أن يغمض له جفن ، فعاصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قالت عن نسائها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، عندما نزل قول الله تعالى { ليضربن بخمرهن على جيوبهن } النور 31 ، ما منهن إمراة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح متعجرات كأن على رؤوسهن الغربان ، يسمع فيها خليفة المسلمين إمراة تتغزل بشاب قد سلب عقلها جماله !.

فهذا أمر في منتهى الخطورة بمنظور أبي حفص ، فبقي يتقلب على فراشه حتى أذّن المؤذن لصلاة الفجر ، فيؤم الناس بالصلاة ويصعد بعد إنتهاء الصلاة على المنبر ويحمد الله ويثنى عليه ويصلي ويسلم على نبيه صلى الله عليه وسلم ، معلنا بعد ذلك حالة الاستنفار بالمدينة لاحضار ذلك الشاب الذي تهتف به النساء في بيوتهن .

وعلى الفور ينعقد مجلس الشورى المكون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم ، فيتقدم من بينهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قائلا: يا أمير المؤمنين نصر بن حجاج أعرفه فهو شاب من شباب المدينة إشتهر بجماله فإن أردت أن تراه أحضرته إليك ، قال أمير المؤمنين إليّ به يا إبن عوف ، فيحضر نصر بن حجاج الى أمير المؤمنين ، ولمّا رأى من جماله قال: والله لا تساكني في بلدة يتمناك بها النساء ، فخذ من بيت المال ما يصلحك وسر إلى البصرة .

فقال نصر: لقد قتلتني يا أمير المؤمنين ، فإن فراق الاوطان كقتل النفس ، قال تعالى: { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلا } النساء 66 ، قال الخليفة ولكني أقول ما قال الله على لسان نبيه شعيب عليه السلام: { إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله } هود 88 .

فأعراض المسلمين عند عمر تأتي في مقدمة إهتماماته ، فكيف لا وهو الذي قال: { يا رسول الله لو أمرت نسائك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر ، فنزلت بعد ذلك آية الحجاب موافقا رأئه لأمر ربه من فوق سبع سموات } .

إن الرجال الناظرين إلى النساء مثل الكلاب تطوف باللحمان

إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان

فأؤلئك النساء هن اللاتي أنجبن القادة الذين تحطمت تحت سنابك خيولهم عروش الفرس والروم والعلماء الذين حفظ الله بهم ربقة الاسلام ، وما ذلك إلا بتوفيق الله لعمر أن جعله حصن الفضيلة المنيع الذي تتحطم على جنباته سهام دعاة الرذيلة .

تروي لنا كتب السير أن رجلا من السلف التحق بجيوش الفتح الاسلامي في خرسان وترك زوجته الحامل بالمدينة ولديها مبلغ ثلاثون ألف دينار هي كل ما يملك عدى سيفه وجواده الذين خرج بهما للجهاد ، وبقي هذا المجاهد يحرس ثغور المسلمين مدة عشرين عاما, يقرر بعدها العودة الى زوجته التي لم تصله أخبارها منذ فارقها ولا يعلم ما صنع الله بالجنين الذي كانت تحمله في بطنها ، فيؤمم وجهه شطر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممتطيا صهوة جواده الذي أخذ ينهب الأرض ويطوي المسافات وكأنه يعلم ما يجول بين جوانح صاحبه من حنين لتلك الديار وساكنيها بعد هذه الغربة الطويلة .

ولما بلغ أسوار المدينة إتّجه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليسلم على هادي هذه الامة ومعلمها محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، ويصلي لله ما شاء أن يصلي قبل الذهاب إلى أهله وقد وافق مجيئه وقت صلاة المغرب وبعد أن أديت الصلاة تحلق طلبة العلم حول شيخهم ذلك الفتى المعمم الذي يشع وجهه بنور الايمان ، فجلس الرجل الى تلك الحلقة رغبة في فضل مجلس الذكر وللاستزادة من العلم الشرعي لا سيما أنه كان منشغلا بالجهاد ولم يحضر مجالس العلماء الا نادرا ، ويبدأ الشيخ ربيعة بن فروخ المكنى ( ربيعة الراي ) الدرس بشرح كتاب الجهاد لأحد علماء السلف رحمهم الله ولشدة إعجاب الرجل بهذا الشاب عاد به الخيال إلى ما قبل عشرين سنة متمنيا لو بقى بالمدينة وقام على تربية إبنه الذي كان وقتها حملا في بطن أمه لعل الله أن يجعل منه عالما تنتفع بعلمه أمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا الشاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت