فهرس الكتاب

الصفحة 22245 من 27345

ما هكذا توردُ الإبلُ يا دكتور . . . مقالٌ عجيبٌ ...

الحمدُ للهِ وبعدُ ؛

اطلعتُ على مقالٍ للدكتور طارق سويدان - عفا اللهُ عنه - في جريدةِ المدينةِ في عمودهِ الأسبوعي:"قوالب فكرية"وعنون له:"تلبس الجان بالإنسان .. حقيقة أم وهم ؟"، وأتى في مقالهِ على مسألةِ تلبسِ الجنّ بالإنسِ ، وقرر فيه أن تلبسَ الجنِ بالإنسِ انتشر عن طريقِ الخرافةِ والوهمِ ، وهذا لا يعني أن ما قالهُ وقررهُ هو الصوابُ ، وإنما المرجعُ في ذلك أدلةُ الكتابِ والسنةِ ، والرجوعُ إليهما حال التنازعِ قال تعالى:"فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" [ النساء: 59 ] ، ولو لم يوجد في المسألةِ إلا نصٌ واحدٌ لكفى ، فكيف إذا تكاثرتِ النصوصُ بذلك ؟ وقررهُ علماءُ أهلِ السنةِ والجماعةِ في كتبهم .

افتتح الدكتور طارق - غفر اللهُ له - مقالهُ بمقدمةٍ جيدةٍ فقال:"كثير من المسائل تأخذ انتشارها من قصة مروية أو إشاعة مكذوبة أو وهم متخيل ، فإذا تراخى الناس في الرد عليها وتكذيبها أخذت شكل الحقيقة ، وأصبحت معتقدا ثابتا في عقول الكثير لا يجوز الجدال فيه ، مع أن أصلها ما ذكرناه من خرافة ووهم".

وهذا كلامٌ جيدٌ ، ولكنه أتى بمثالٍ على ذلك تلبس الجنّ بالإنسِ فقال:"وقد أثبت الله سبحانه وتعالى في مواضيع عدة من كتابه أن الشيطان ليس له سبيل على بني آدم فقال تعالى:"إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون"وقال سبحانه يحكي على لسان إبليس حين تبرأ من الكافرين:"وما كان لي عليكم من سلطان"."

فكيف نأتي بعد هذا البيان الإلهي ونقول بأن الجن يتلبس بالإنسان ، ثم يتكلم عوضا عنه ، ويوحي له بالتصرفات التي يريدها ، والله سبحانه يثبت أن الشيطان لا سلطان له على البشر ؟!! كما أن العقل البشري لا يصدق مثل هذه الأوهام. وعلاوة على كل ذلك فأنا أرى أن أصول التشريع ترفض ذلك من وجه آخر وهو أن الجن إذا تلبس بالإنسان وتصرف عوضا عنه فمن المفترض أن يسقط التكليف عن الإنسان في تلك الحالة، وليس في الشرع ما يشير إلى أن من أسباب سقوط التكليف تلبس الجن"."

سبحانَ اللهِ ! هكذا بكلِّ بساطةٍ يا دكتور طارق - عفا اللهُ عنك - ، لأن العقلَ لا يقبلُ مثل هذا الكلامِ تُردُّ نصوصُ الكتابِ والسنةِ الواضحةِ البينةِ في المسألةِ ، وقد عدها أهلِ العلمِ من أصولِ أهل السنةِ والجماعةِ فهذا شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ يقولُ في"الفتاوى" (24/276) :"ليس في أئمةِ المسلمين من ينكرُ دخولَ الجني في بدنِ المصروعِ وغيرهِ ، ومن أنكر ذلك ، وأدعى أن الشرعَ يكذبُ ذلك ، فقد كذب على الشرعِ ، وليس في الأدلةِ الشرعية ما ينفي ذلك"، ثم قال:"دخولُ الجني ثابتٌ باتفاقِ أئمةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ".ا.هـ.

وأما تقديمك للعقلِ على النصوصِ الواضحةِ فهذا مظهرٌ خطيرٌ من مظاهرِ الانحرافِ أنزهك عنه ، وقد قيل:"اجعلِ الشرعَ في يمينك والعقلَ في يسارك"تنبيهًا على تقديمِ النقلِ على العقلِ ، ولهذا قال الشاطبي في"الاعتصام": إن اللهَ جعل للعقولِ في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداهُ ، ولم يجعل لها سبيلًا إلى الإدراكِ في كلِّ مطلوبٍ ، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري في إدراكِ جميعِ ما كان وما يكونُ وما لا يكونُ".ا.هـ."

ولعلي أكتفي بذكر دليلين مما لم تشر إليها في مقالك ، وأنقلُ كلامَ العلماءِ عليهما .

الدليلُ الأولُ:

مِنْ أظهرِ الأدلةِ على تلبسِ الجنِ بالإنس قولهُ تعالى:"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" [ البقرة: 275 ] ، وتعجبتُ من الدكتور طارق - غفر اللهُ له - أنه لم يوردها في مقالهِ ! فلا أدري هل غابت عنهُ ؟ أم أنهُ تعمد عدم ذكرها ؟ ولكننا نحسنُ الظنَّ به ، ونقول: ربما غابت عنه .

وهذه الآيةُ صريحةٌ جدًا في المسألةِ ، ولو لم يكن في الأدلةِ إلا هذه الآية لكفى .

قال القرطبي عند تفسيره للآيةِ:"فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى فَسَاد إِنْكَار مَنْ أَنْكَرَ الصَّرْع مِنْ جِهَة الْجِنّ , وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ فِعْل الطَّبَائِع , وَأَنَّ الشَّيْطَان لَا يَسْلُك فِي الْإِنْسَان وَلَا يَكُون مِنْهُ مَسّ".ا.هـ.

وقال ابنُ حزمِ في"الفصل" (5/113) :"وأما الصرعُ فإن اللهَ عز وجل قال:"الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ"فذكر عز وجل تأثيرَ الشيطانِ في المصروعِ إنما هو بالمماسةِ ، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يزيدَ على ذلك شيئًا".ا.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت