فهرس الكتاب

الصفحة 25702 من 27345

أحمد فهمي

سُئل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر عن نظرته إلى العراق ، فقال:"العراق طائر بثلاثة أجنحة ، أحدها يمنعه من الطيران"وهذا القول يعبر بدقة عن حقيقة الأوضاع العراقية على مشارف الانتخابات ، ومن الطبيعي أن كلا من الأجنحة العراقية الثلاث: الأكراد ، العرب السنة ، الشيعة ، ينظر إلى أحد الجناحين الباقيين باعتباره مُعوقا عن الطيران ، وحسب معطيات الأحداث فإن الآراء قد أجمعت بين الإدارة الأمريكية وإيران والأكراد والشيعة على أن العرب السنة هم الجناح المعوق للعملية السياسية العراقية ، والتي يعلق كل طرف من هذه الأطراف على إجراءها قائمة من الآمال والطموحات والأهداف الخفية .

ويهمنا هنا أن نرصد موقف الشيعة من السنة في العراق الأوسط ، وحتى لا نُتهم باعتماد نظرية المؤامرة مدخلا وحيدا في تحليل العلاقة بين الشيعة والسنة في العراق ، فإننا سنكتفي برصد بعض الوقائع والتصريحات وطرح بعض التساؤلات ، ونترك لذهن القارئ عملية استنباط النتائج من كل ذلك .

ومن خلال الرصد الدؤوب للعلاقة الشائكة بين الطائفتين أو بالأحرى الأداء الشيعي تجاه سنة العراق يمكن تحديد ثلاثة اتجاهات متباينة ، أولها يمثله تيار الصدر الذي يسعى لترسيخ وتأكيد معاني الود والتعاون بين الشيعة والسنة ، وثانيها يمثله السيستاني ومن يتحالف معه من الأحزاب الشيعية ، وثالثها يمثله الأجنحة العسكرية للأحزاب الشيعية وفي مقدمتها فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم أبرز المرشحين على قائمة الإئتلاف الموحد التي يباركها السيستاني ..

أولا: نموذج تيار الصدر في التعامل مع سنة العراق:

يتضمن الخطاب الديني لتيار الصدر منذ تأسيسه شعارات وطنية انطلاقا من رغبته في العودة بالمرجعيات الشيعية إلى طابعها العروبي القديم بدلا من التغلغل الفارسي الحالي ، ولذلك كان حريصا على أن يُؤمِّن جهة العلاقة مع العرب السنة ، وقد حرص رموز التيار محمد صادق الصدر ومحمد باقر الصدر على التأكيد على هذا الخطاب رغم العلاقة الحرجة مع نظام البعث في العراق ، ولكن بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وبعد أن برز مقتدى الصدر زعيما حدث تحول كبير في قناعات التيار نتيجة تأثره وخضوعه للتأثير الإيراني ، وأصبح التوجه الصدري يعكس حالتين متناقضتين في خطابه وأداءه: الحالة الأولى تعتبر الامتداد الطبيعي للمفاهيم القديمة ، والحالة الثانية تعكس الرؤية الإيرانية تجاه العرب السنة وهي رؤية عدائية لا شك في ذلك ، وقد حرص قادة التيار ورموزه على إخفاء كل ما يدل على الحالة الثانية العدائية ، وأكدوا على تمسكهم بعلاقات طيبة مع السنة وقدموا في سبيل ذلك عددا من العروض البطولية الدعائية التي ساهمت ولا شك في موازنة الأداء المتحفز ضد السنة الذي ميز الخطاب الشيعي لأحزاب وتيارات أخرى ..

ومن المشاهد التي لا تخلو من طرافة رغم كآبتها تعرض مساجد السنة في بعض المناطق لهجمات ينفذها عناصر من فيلق بدر ، وفي إثرها يعلن مقتدى الصدر في تصريحات عنترية:"إني أبدي استعدادي لحماية إخواني أهل السنة وجوامعهم وكذلك إخواني الشيعة ، لا فرق بين الأخوين إطلاقا إلا بتقوى الله"وطبعا لا يخفى تأثير العلاقة العدائية بين تيار الصدر والمجلس الأعلى الذي يتبعه فيلق بدر في إطلاق مثل هذه التصريحات ..

وفي المقابل فإن هذه الروح الودية من مقتدى الصدر تجاه السنة لم تمنعه من التعبير عن رؤيته الخاصة بأن يحكم العراق رجل مثل الخميني:"أريد أن يحكم العراق رجل دين شيعي سواء كان عراقيا أو إيرانيا ، وأفضل أن يحكمه شخص مثل الخميني من أي عراقي علماني"يعني السنة مستبعدون تماما من خيارات الرئاسة ، وصحيفة إشراقات التي تتحدث باسم التيار ويرأس تحريرها فتح الله غازي الإسماعيلي الذي تربطه علاقة قوية بمقتدى الصدر ، كتبت في إحدى افتتاحياتها تستنكر وتقول"هل من المعقول أن يرضى شعب ضرب وتحمل الكثير من نظام صدام حسين أن يحكمه رجل سني"تقصد غازي الياور ..

ثانيا: نموذج السيستاني في التعامل مع سنة العراق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت