فهرس الكتاب

الصفحة 12622 من 27345

تأملات تربوية في سورة النمل(2)

د.عثمان قدري مكانسي

1-الدعوة إلى التفكير: خلقنا الله تعالى".. في أحسن تقويم"فجعل لنا - معشر الإنس والجن لأننا مكلفون - العقول التي تميزنا عن بقية المخلوقات لنتدبر ما نجده أمامنا ولنتفكر فيه . أما الحيوانات الأخرى فإنها تعيش غريزيًا . لا رسالة لها في هذه الحياة سوى ما قدره الله تعالى لها في حياتها الدنيا ثم يقال لها - في الآخرة حين تحشر ليقتص منها ذلك الاقتصاص الذي لا يقارن مطلقًا بالاقتصاص من الثقلين - كوني ترابًا .. فيتمنى الكافر لما يراه من العذاب الشديد الخالد في نار جهنم أن تكون نهايته مثل نهايتها"يا ليتني كنت ترابا"ولكن هيهات هيهات .

وعلى الرغم أن البشر جميعًا لهم عقول يفكرون بها إلا أن أكثرهم لا يريد أن يعي حقيقة وجوده وسبب خلقه ، فهو يحيا في هذه الدنيا وكأنه خالد فيها ، أو سينتهي دون عودة"وما يهلكنا إلا الدهر"وينكرون حياة أخرى تنتظرهم هي الحياة الحقيقية"وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"وهؤلاء لئن كانوا بشرًا إنهم لينزلقون إلى درجة الأنعام التي لا تعي ولا تعقل ، بل إنهم أقل منها مستوىً ، فالحيوانات ليس لها عقول وقد سقط عنها القلم، وهؤلاء لهم عقول لا يستعملونها في مرضاة الله ، فانحدروا عن مستوى البهيمية بفعلهم - عنادِهم وضلالهم - يقول الله تعالى"ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس ، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام ، بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون".

والقرآن الكريم يدعو المكلف إلى التدبر وإمعان التفكير في مئات الآيات المنبثة فيه ، وفي هذه السورة الجليلة نجد الكثير منها ، وإليك بعضًا منها:

ففي الآية الستين نجده يدعونا إلى معرفة خالق السماوات والأرض الذي أنزل الماء فكان سببًا في الحياة المتجددة الجميلة في الأرض ، وأنه سبحانه واحد لا شريك له

"أمّن خلق السموات والأرض ،"

وأنزل لكم من السماء ماءً ،

فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ، ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ؟ أإله مع الله ؟! بل هم قوم يعدلون".وتأمل التسلسل في"خلق ، وأنزل ، وأنبت"فترى المشركين يميلون عن الحق وينغمسون في الضلال ."

وفي الآية الحادية والستين ينبههم إلى بديع صنعه سبحانه ، فالأرض ثابتة صالحة للعيش ، تجري فيها الأنهار ، وتثبتها الجبال الرواسي ، وجعل الماء مالحًا وحلوًا فلا يطغى هذا على ذاك - بأمر الله خالقها - بل إن لكل بحر ماءَه بخواصه المختلفة عن ماء غيره ،

"أمّن جعل الأرض قرارًا ،"

وجعل خلالها أنهارًا ،

وجعل لها رواسيَ ،

وجعل بين البحرين حاجزًا ؟ أإله مع الله ؟! بل أكثرهم لا يعلمون"وانظر معي إلى تكرار كلمة"جعل"التي تدل على جميل صنعه وعظيم حكمته سبحانه، وأنه الخالق الأوحد ... ولكن غالب البشر يجهلون هذا فيشركون بالله تعالى ويتوهون في مزاريب الضلال ."

وفي الآية الثانية والستين يذكرهم برأفته بهم ، وحنوّهم عليهم ، فهو سبحانه يجيب الداعي ، ويتلطف به ، وهو وحده خالقهم لكن الدنيا ببريقها وزخرفها تنسيهم الحقيقة وتبعدهم عنها

"أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ،"

ويكشف السوء ،

ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ؟! قليلًا ما تذكّرون"."

وهي دعوة صريحة إلى إفراده سبحانه باللجوء إليه والاعتماد عليه وانظر إلى المنطقية في العرض، فهو سبحانه"يجيب المضطر ، ويكشف السوء"لماذا؟ إنه الخالق الوحيد"يجعلكم خلفاء الأرض"

وفي الآية الثالثة والستين ينبه أن الله تعالى هو الهادي والحافظ ومدبر الحياة في البر والبحر أفلا يستحق الإفراد بالعبادة ؟"أمّن يهديكم في ظلمات البر والبحر ؟"

ومن يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته؟ أإله مع الله ؟! تعالى الله عما

يشركون". وتأمل معي هاتين الكلمتين"يهديكم ، يرسل الرياح""

هداية وعون ، فهو سبحانه لا يدع عباده يتخبطون في حياتهم إنما ييسر لهم السبل ويعينهم .

2-التصوير الحسي: ذكرت في كتابي"من أساليب التربية في القرآن الكريم"تحت عنوان - التصوير ص 385: أن التصوير من الأساليب الراقية في التربية ، فالإنسان روح وفكر وقلب .. وهو كذلك عين وسمع وذوق ولمس وشم .... فهو معنوي ومادي بآن واحد ، فإذا عجز أحيانًا عن الوصول إلى الفكرة الشفافة ذهنًا وصل إليها مادة وحسًّا .. المهم أن يصل إلى المعلومة ، وتتركز في ذهنه ، ويتفاعل معها .

والصور في هذه السورة ملفتة للنظر إذ جمعت بين اللون والحركة والصوت . من ذلك قوله تعالى:

"ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرًا ..."

"ويوم ينفخ في الصور ، ففزع من في السموات والأرض إى من شاء الله ، وكلٌّ أتَوْه داخرين"

"وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب".

"وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابّة من الأرض تكلمهم ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت