فهرس الكتاب

الصفحة 23491 من 27345

أ.د/محمد أديب الصالح

رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام

ـ 1 ـ

* هو عائذ الله بن عبد الله الدمشقي ولد عام حنين وتوفي سنة ثمانين للهجرة . كان رحمه الله من جلة التابعين ، أخذ عن معاذ بن جبل ، وسماعه منه ـ كما قال الثقات ـ صحيح ، وسمع من أبي الدرداء وروى عنه ، كما روى عن أبي ذر وحذيفة وعبادة بن الصامت ، وعوف بن مالك وأبي هريرة وطائفة من الصحابة ، وروى عنه الزهري ومكحول وربيعة القصير ويحيى بن يحيى الغساني ويونس بن ميسرة ، وآخرون .

* كان فقيه أهل الشام وعالمهم ، وواعظ أهل دمشق وقاصهم وقاضيهم بل قال مكحول: ما علمت أعلم من أبي إدريس وقد وثقه النسائي وغيره وهو واحد من أولئك البررة الذين جمعوا بين العلم والعمل ، وذلك ما وضع لكلامه القبول في الناس ، ولعلمه حسن التأثير في النفوس .

* وإذا كان حظ أبي إدريس من العمل بالعلم عظيمًا بتوفيق الله تعالى ، فقد كان معلمًا من معالم الخير في الأمة يهتدي الناس بعلمه واستقامته كما يهتدون بعلمه ودعوته إلى الله ، ولذلك عني بجلاء القلب ، وتنقيته عن كل ما يباعد عن الله لأن بصلاح القلب صلاح ما تكسبه الجوارح وبفساد القلب فساده ، قال:

(قلب نقي في ثياب دنسة خير من قلب دنس في ثياب نقية)

وليس هذا بغريب من أبي إدريس في فضله وحسن تبصره بالحقائق فإن القلب محل نظر الله عز وجل وليس الظاهر والصور..

* وفي تخويف من القضاء ورهبة من زلة الحكم قال حين عزله عبد الملك عن القصص وأقره على القضاء: عزلوني عن رغبتي وتركوني في رهبتي .

* وفي ترهيب لأولئك الذين لا يقصدون بحديثهم إلى الناس وجه الله قال رحمه الله:

(من تعلم ظرف الحديث ـ أو طرق الحديث ـ ليستفيء الناس لم يرح رائحة الجنة) .

* ويريد أبو إدريس من المسلم أن يكون صادق التوكل على الله ، موحدًا وجهته إليه فيقول: (من جعل همومه همًا واحدًا كفاه الله همومه ، ومن كان له في كل واد هم لم يبال الله في أيها هلك)

ورحم الله من قال: اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها .

* والمساجد !! وهي بيوت الله التي أذن الله أن يذكر فيها اسمه لها عند أبي إدريس تعريف مرتبط بخلائق روادها والملازمين لها ، ذلك قوله:

(المساجد مجالس الكرام) .

* وفي توجيه إلى العمل بالقرآن وتدبره والتزام مضموناته والكشف عن الجوانب التي تناولتها الآيات الكريمة قال أجزل الله مثوبته:

(إنما القرآن آية مبشرة ، وآية فريضة ، أو قصص أو أخبار ، وآية تأمرك وآية تنهاك) .

والسعيد السعيد من استوقفته آية البشارة ففرح بفضل الله واستقام على الطريقة ، وزادته الآية المنذرة إيمانًا فخاف ووجل ، وكفكف نفسه ، فدانها وعمل لما بعد الموت ، والتزم الحدود عند آية الفريضة ، وملأت قلبه العبرة عند القصص والأخبار، وائتمر بأمر الله عند الآية الآمرة ، وانتهى عن المنهيات عند الآية الناهية .. وتلك صفات المؤمنين الصادقين في إيمانهم ، أولئك الذين إذا رأيت صنيعهم مع الكتاب الكريم ذكرت قول الله تعالى:

[وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا] (1) .

* ورحم الله أبا إدريس الخولاني وجزاه بما نصح للمسلمين كل خير.. ولنا معه وقفة أخرى نستزيد فيها من علمه وعمله إن شاء الله .

الهوامش:

*"حضارة الإسلام"السنة 17 العدد 3 جمادى الأولى 1396 أيار 1976 .

ـ 2 ـ

وفاء بوعد مضروب لوقفة أخرى مع أبي إدريس الخولاني رحمه الله ، أجدني أمام قبضة نيرة من كلماته الربانية ومعالم سلوكه .

روى ربيعة بن يزيد أنه سمع أبا إدريس يقول:

(ما تقلد امرؤ قلادة أفضل من سكينة ، وما زاد الله عبدًا قط فقهًا إلا زاده قصدًا) .

وإنها لكلمات تراها ، على وجازتها ، لبنة في نبراس المؤمن ومعالم طريقه إلى الله . السكينة .. نعمت القلادة يقلدها المرء .. السكينة التي إذا نزلت في قلب المؤمن انعكست على جوارحه وسلوكه طمأنينة وحلمًا ورضى بقضاء مولاه وصبرًا على المكاره ، ويقينًا بما عند الله تبارك الله ، فنجده مهما كبرت الأحداث من داخل النفس أو من خارجها تتزلزل الجبال الرواسي ولا يتزلزل ، ولقد جعلها المولى جل شأنه طريقًا إلى زيادة الإيمان ، فحين أنزلها في قلوب المؤمنين كشف أن ذلك كان من فضله عليهم ليكون لهم مزيد من الطمأنينة واليقين ، ففي طوالع سورة الفتح:

[هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليمًا حكيمًا] (2) .

وإذن فيا نعمت القلادة أن تعطي المؤمن السكينة فيكون له من الخير ما يكون .

والفقه في دين الله .. من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (3) ، والازدياد من ذلك طريق القصد ، طريق الجادة والاعتدال فلا إفراط ولا تفريط لأن من أعطي الفقه في دين الله ، على عموم دلالة كلمة الفقه ، فقد أسلمته العناية إلى الطريق التي تصله بميراث النبوة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت