الجمعة 1 رجب 1397 / 17 حزيران 1977
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
فقد فرغنا في الجمعة الماضية من الحديث عن سورة القيامة أو من الحديث عن أهم ما أردنا أن ندير الكلام عليه ، ونواجه اليوم السورة الحادية والثلاثين في سياق التنزيل وهي سورة الهمزة ، والتي يقول الله جل وعلا فيها ( ويل لكل همزة لمزة ، الذي جمع مالًا وعدده ، يحسب أن ماله أخلده ، كلا لينبذن في الحطمة ، وما أدراك ما الحطمة ، نار الله الموقدة ، التي تطّلع على الأفئدة ، إنها عليهم مؤصدة ، في عمد ممدة ) وهي من قصار السور كما ترون ، وجاءت تحمل التهديد وبيان العاقبة لصنف معين من الكفرة الذين واجهتهم الدعوة الإسلامية في مراحلها الباكرة ، وقبل أن آخذ بالحديث عن هذه السورة الكريمة أحب أن أقف بعض الشيء لبيان أمر تقتضيه طبيعة العمل الذي نباشره ، إننا الآن مع السورة الحادية والثلاثين أي أننا مع قدر من القرآن الكريم لا بأس به .
ولقد رأيتم إن كانت أذهانكم قادرة على استحياء ما سبق أن قلناه إن السور الثلاثين الماضية أثارت مشكلات هامة ، وعرضت لقضايا ذات حساسية بالغة ، ولكي تدركوا بين طرفي الأمة الجادة والأمة اللاهية العابثة لا بد أن أستعيد لكم وجهة نظر القرآن الكريم ووجهة نظر الإسلام بعامة حول بناء الإنسان وبناء الإنسانية .
إن هذا العلم الذي بثه الإسلام في الناس قضايا وأفكار وتصورات وصور ومشاهد قيمتها اللفظية أنها كلام ، وقيمتها الفكرية أنها معتقد ، وليس أكثر ، والإسلام حين جاء والقرآن حين نزل اعتبر العلم خادمًا للعمل ، واعتبر العمل ثمرة للعلم وأعطى العمل مرتبة متقدمة ، بل اعتبر العمل الوسيلة الوحيدة التي تمنح العلم هذه الحيوية المطلوبة لكي يتحول العلم إلى أداة نافعة في توجيه السلوك وبناء الشخصية وتأسيس القواعد الصحيحة التي تقوم عليها الأمم ، فقال الله تعالى ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) وقال أيضًا ( ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه ) فالعلم وسيلة وليس غاية ، وأخسر الناس صفقة وأقلهم حظًا وأقلهم نصيبًا من هذا الإسلام من صرف النظر عن الثمرة المطلوبة وهي العمل .
لقد كان الجيل المسلم الذي رباه محمد صلى الله عليه وسلم في مراحله الأولى لا يعرف من الدنيا معشار ما تعرفون ، ولا يعرف من شئون الدين إلا بعض ما تعرفون ، ولقد انقضت حياة كثير من الأصحاب رضوان الله عليهم ممن كانت لهم على الإسلام أيادٍ بيضاء وفي رقبة الإنسانية منة لا تكافأ ولا يقوم بتعويضها شيء ، كان الكثير من هؤلاء الأصحاب لا يحفظ من القرآن إلا القليل ، ولكنهم جميعًا كانوا يعملون ، ويعملون على هدي هذا الكتاب الكريم وفي ضوء توجيهات محمد صلى الله عليه وسلم ، فأنتجوا للناس ذلك الجيل الخارق الذي عجز الإنسانية حتى الآن أن تُخرج من طرازهم حتى الآحاد .
لقد وفد أبو ذر رضي الله عنه إلى مكة وسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وأحب أن يستطلع نبأه ، وأن يتعرّف على ما عنده ، فسأل عنه فدلّوه عليه ، وتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن فآمن وصدق ، وطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى قومه ، لقد كان الوقت على النبي والأصحاب شديدًا جدًا ، كانت مكة حتى الحجارة فيها تتنزّى حقدًا وضغينة على رسول الله وعلى المؤمنين ، وأبو ذر رجل من بني غفار من قطّان البادية ، وإن بني غفار كانوا من شياطين العرب في الجاهلية ، كانوا قطاع طرق ولصوص صحراء ومن فتاك العرب ، ولكنه في مكة ليس له حلف يمنعه ولا عشيرة تحميه ، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يجنب هذا المؤمن الجديد شدائد العيش في مكة في تلك المراحل العصيبة ، فنصح له أن يرجع إلى قومه حتى إذا سمع أن أمر الإسلام قد استوثق وقوي جاء .
ولكن أبا ذر رفض أن يعود إلى قومه قبل أن يُسمع المكيين ما يكرهون من هذا القرآن ، فطاف على نواديهم وحلق مجتمعاتهم وأعلن لهم أنه آمن بالله جل وعلا واتبع نبيه صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم ما سمع من القرآن ، فثاروا إليه يضربونه حتى كادوا أن يأتوا على نفسه لولا أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه جاءهم فقال: يا قوم إنه من غفار وإن تجارتكم على طريق غفار والقوم كما تعلمون فجّار ، أبناء دنيا وعبيد مال ، فكفوا عن الرجل .. المسألة أن أبا ذر رضي الله عنه حين أسلم كان سادسًا أو سابعًا أو أنه أسلم في أبكر مراحل الدعوة ، وبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم مدة لا تزيد على الأسبوع ، وحين عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يرحل رحل إلى قومه .