أحمد فهمي
كانت الأمور تسير بوتيرة هادئة نسبيا ، ورغم عمليات المقاومة المستمرة إلا أن ذلك لم يمنع الإدارة الأمريكية من اعتبار الأوضاع إيجابية في العموم للدرجة التي جعلت الرئيس الأمريكي جورج بوش يصرح لشعبه في حديثه الأسبوعي:"عندما ينظر الرجال والنساء في كافة أنحاء الشرق الأوسط إلى العراق يرون لمحة لما يمكن أن تكون عليه الحياة في بلد حر"..
ولكن فجأة اشتعلت العراق"الحرة"، وفي الفلوجة لم يكن أمام الأمريكيين خيارات كثيرة متاحة ، وكانت الرغبة عارمة في لملمة الكرامة التي مُسحت بها أرض الفلوجة ، وذلك على طريقة رامسفيلد الأولى في غزو العراق: الصدمة والترويع ،"سنؤدبهم ثم نعود أدراجنا سريعا"، ولكن كانت الصدمة من نصيب إدارة بوش والترويع من نصيب جنوده .. وفي وقت مماثل تقريبا حرَض مقتدى الصدر أتباعه على تنظيم حركة احتجاج واسعة النطاق تأخذ شكل ثورة ضد الاحتلال الأمريكي وإن كانت في حقيقتها ليست كذلك ، وما يعنينا هنا هو البحث المقارن بين أسلوب التعامل الأمريكي مع الفلوجة المقاومة ، ومع شيعة الصدر الثائرين ، لماذا تعمَد الجيش الأمريكي ذبح المئات من الأهالي أغلبهم من النساء والأطفال في الفلوجة ، بينما لم يقتل الأمريكون إلا عناصر مسلحة من جيش المهدي ، وما سوى ذلك كان خطأ غير مقصود ؟ ولماذا هدمت المدينة السنية على رؤوس ساكنيها وقُصفت بكل أنواع الطائرات ، بينما لم يتعرض الصدريون للقصف الجوي إلا عن طريق الأباتشي فقط بعض الأحيان ؟ .. هناك عدة فروقات ونتائج مهمة يمكن استخلاصها من المقارنة بين طريقة الأمريكيين في التعامل مع الأزمتين
أولا:
في الفلوجة كان أهل المدينة يمثلون بيئة خصبة للمقاومة وإن كانوا ليسوا كلهم يمارسونها ، وأصبحت الفلوجة رمزا للمقاومة السنية كان ينبغي تحطيمه ، بينما التيار الصدري في الأساس يتمحور حول شخص مقتدى الصدر فقط ، الذي تمكن من تجميع عناصر تابعة له لتحقيق أهداف خاصة به وليس بهم ، وعاونه في ذلك أطراف داخلة وخارجية معروفة ، ولم يفلح في التحول إلى رمز تجميعي على مستوى شيعة العراق ..
ثانيا:
المقاومة في الفلوجة كانت مؤيدة من أهالي المدينة ، فكان الموقف واحدا لذا كان العقاب شاملا ، بينما تيار الصدر وإن تواجد في عدة مدن إلا أن تأييده جزئي ، وفيما عدا مدينة الصدر لا توجد منطقة أخرى يحظى فيها بأغلبية ، وحتى مدينة الصدر مشكوك في تأييد غالبيتها له ، وفي النجف وكربلاء تتنامى مشاعر رفض وكراهية لتواجد أتباعه في المدينتين ..
ثالثا:
كان أداء المقاومة في الفلوجة واضحا اقترانه بهدف طرد الاحتلال وتحقيق الاستقلال ، ولكن بالنسبة للصدر لم يكن ذلك واضحا وإن رفع كشعار ، وكان الأداء العسكري لجيش المهدي وأنصار الصدر مشتتا وعشوائيا وإن كان التحريض منظما ، ففي البداية مُورست أعمال شغب واسعة في مدن عديدة في وقت واحد ، وهذه نقطة هامة لمن يريد أن ينفذ ثورة أو تمرد ، لابد من حشد زخم قوي في البداية ، وهذا ما فعله أتباع الصدر الذين قاموا باحتلال عدد كبير من الهيئات والمقار الحكومية والأمنية ورفعوا شعاراتهم وصور الصدر عليها وطردوا من فيها ، ولكن بعد ذلك اضطروا إلى الانسحاب المذل منها مع تباين الفرق الواضح في موازين القوى مع الاحتلال ، وتحصن أتباع الصدر في أماكن مختلفة ، وتمركز وجودهم مؤخرا في النجف وكربلاء والكوفة حيث يعتمدون على تقديس الشيعة لهذه الأماكن ، وبذلك يكون تيار الصدر قد انتقل من مرحلة الثورة والتمرد إلى مرحلة الهروب والبحث عن منقذ ..
نقطة أخرى مهمة في هذا الصدد ، وهي أن جيش المهدي لم يمارس أسلوب حرب العصابات إلا في عمليات موجهة ضد كوادر البعث السابقة ، يعني ضد السنة في العموم ، ولكنه لم يمارس هذا الأسلوب إلا نادرا ضد الاحتلال الامريكي ..
رابعا:
عناصر المقاومة السنية يقاتلون من أجل قضية واضحة ولهذا لم ينسحبوا أو يفروا في مواجهة الاحتلال ، وفي النهاية أجبروا الأمريكيين على الانسحاب ولم يتحقق شرط من شروطهم الأساسية ، أما تيار الصدر فرغم تفاوت المعلومات عن تعداد جيشه ما بين 3000 إلى 15000 مقاتل والحديث عن تلقيهم تدريبا عالي المستوى على أيدي قوات الحرس الثوري الإيراني وتسليحهم القوي ، إلا أننا لم نر أداءا عسكريا يتناسب مع هذا الوصف ، وعادة ما يكون ذلك لاحقا بالميلشيات التي يغلب علي عناصرها صفة"الارتزاق"فعندما تشعر هذه العناصر بميل واضح في موازين القوى في غير صالحها ، وعندما لا تجد المقابل المادي الذي وُعدت به ، تبدأ في الهروب والتسلل ، وهذا ما حدث مع عناصر كثيرة من جيش المهدي كما ذكرت التقارير ..
خامسا: