فهرس الكتاب

الصفحة 11880 من 27345

انطفأت الشمعة ولكن … ...

في زمن تغيب عنه المصلحة العامة ، يتفجر فيه العداء والبغض بين الناس ، وقد كان لقصتنا هذه الأثر على انعكاس واقع قرية انشغل أهلها بتلبية مصالحهم الخاصة بعيدًا عن العمل المشترك الذي يحقق للناس الأمن والاحترام المتبادل، فبينما كان أهل القرية يتشاجرون بسبب أطماعهم وشهواتهم، وهم أصحاب قرية واحدة من بطون مختلفة، كان أبناؤهم في واد آخر،

فإن الأبناء مهما اختلف الآباء لا يبالون في اختلافاتهم فإن لهم حياة خاصة بهم، فرغم ما كان يقع فيه الأهالي من اختلافات، كان أبناؤهم يلعبون معًا ويشارك بعضهم بعضًا الحزن والسرور. وذات يوم بينما كان الأهل منشغلين في اختلافاتهم كالمعتاد، اتفق الأطفال على تنظيم رحلة مشتركة يصاحبهم فيها كل أطفال القرية، وقد أسروا ذلك لئلا يعلم أهل القرية بما يخططون له فيفسدوا عليهم أمرهم، وهكذا انطلق الأطفال دون علم أصحاب القرية واتجهوا إلى جهة مجهولة لا يعرفونها، فهمّهم الأوحد هو البعد عما فيه أهل القرية من اختلافات نابعة عن الأطماع الشخصية التي أدت إلى تفريق أهل القرية إلى شيع وجماعات شتى، وهكذا خرج الأطفال بقلوبهم الصافية، وابتساماتهم البريئة مسرعين إلى خارج القرية ولم يصحبوا معهم إلا القليل من الطعام والماء، وأخذوا يصعدون الجبال وينزلون الوديان، ويقطعون المسافات بفرح وسرور وهم يضحكون تارة ويغنون تارة ويتمازحون فهم الآن في عالم آخر عالم لا يعرف إلا الحب والتعاون، فقد شعر الأطفال أنهم أصبحوا بعيدين عن واقع أهلهم الذي سئموه، فإن أهل القرية لا يعرفون إلا الشجار والنميمة والغيبة والأطماع الخاصة بعيدًا عن حياة التعاون والحب والأخوة ، فقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يشعر بها الأطفال بالسعادة الحقيقية فهم الآن طلقاء يعملون ما يشاؤون، ويلعبون مع بعضهم البعض دون أي ضابط أو مانع، وبينما هم على هذه الحال، إذ وقفوا على باب مغارة كبيرة، لا يكاد يرى ما في داخلها من شدة الظلمة التي تخيم في المكان، فوقفوا على باب المغارة وحملهم الفضول على دخولها، ولكنهم ما كادوا يخطون الخطوات الأولى حتى توقفوا، فقد حال الظلام دون متابعة مسيرهم، فعادوا إلى خارج المغارة ولكن ثمة شيء يحملهم على الدخول، فقد دب فيهم الحماس وأخذ يشجع بعضهم البعض على مراجعة الدخول ولكنهم بحاجة إلى سراج أو ما شابهه ليتمكنوا من دخول المغارة المظلمة، وبينما كانوا يفكرون في كيفية الحصول على سراج أو ما شابهه إذ خطر في بال أحدهم فكرة وهي أن يرجعوا إلى تلك الخيمة الصغيرة التي مروا عليها في طريقهم منذ وقت يسير ويأخذوا من أهلها سراجًا، فاستحسن الأطفال هذه الفكرة وأرسلوا اثنين منهم إلى تلك الخيمة ليرجعوا إليهم بسراج، بينما جلس الآخرون ينتظرون رجوع صاحبيهم، وهكذا أخذ الطفلان يركضان فرحَين مستبشِرَين الخير واثقَين من تحقيق هدفهم، وما هي إلا بضع دقائق معدودة حتى وصلا تلك الخيمة، فوقفا على بابها وأخذا يناديان على من بداخلها، هل من أحد هنا، فسمعا صوتًا ضعيفًا لا يكاد يسمع: من أنتم؟ فقالا نحن طفلان جئنا لغاية. فسمعا الصوت الضعيف من جديد:

طفلان تفضلا !

فدخل الطفلان الخيمة فوجدا عجوزًا كبيرة مستلقية على سرير قديم، فنظرا إليها وقد أمتلكهما شعور بالخوف فلم يحدثا أي صوت ووقفا خائِفَين من تلك العجوز التي أوهنها المرض، وهدها الهرم حتى أصبح مظهرها بالنسبة للطفلين مرعبًا.

المرأة العجوز أدركت ما حل بالطفلين فبادرتهما بصوتها الضعيف الذي امتلئ حنانًا ودفأ، يا بنّيا لا تخافا فأنا امرأة عجوز مريضة أرقد في سريري وأبقى هكذا حتى يرجع زوجي العجوز من المدينة ومعه الطعام والدواء، ولكن ما الذي جاء بكما إلى هنا؟

الطفلان بعد أن زال عنهما الخوف وشعارا بالاطمئنان: جئنا لنأخذ سراجًا.

العجوز: سراجًا !

الطفلان: نعم.

العجوز: ولمَ ؟

الطفلان: نريد أن نجتاز مكانًا مظلمًا .

العجوز: مكانًا مظلمًا ! وأي مكان هذا ؟

الطفلان وقد عيل صبرهما: هل تريدين أن تعطينا سراجًا أم نذهب ونبحث عن سراج في مكان آخر؟

العجوز مستدركة: لا يوجد عندي سراج ، ولكن عندي شمعة كبيرة قد تفي بالغرض.

الطفلان: حسنًا هل تمنحينا إياها ؟

العجوز: بكل سرور .، فها هي على ذلك الصندوق.

الطفلان: يأخذان الشمعة ويشكران المرأة العجوز، ويهما بالخروج، لكن المرأة العجوز تستوقفهما بقولها: ولكن يا بنيا إحذرا تلك المغارة الكبيرة المظلمة وإياكم أن تدخلاها فهي خطيرة جدًا وقد دخلها أقوام في قديم الزمان لم يخرجوا منها حتى الآن، الطفلان: لا عليك فسوف نتدبر أمرنا.

وهكذا أخذ الطفلان الشمعة وأسرعا بالرجوع إلى أصحابهما وقد حققا نجاحًا كبيرًا.

الطفلان يصلان إلى المغارة فيجدا أصحابهما ينتظرونهما على أحر من الجمر.

الأصحاب: هل أتيتم بالسراج ؟

الطفلان: لا ولكننا أتينا بشمعة كبيرة .

الأصحاب: هذا جيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت