فهرس الكتاب

الصفحة 13398 من 27345

الجمعة 17 شوال 1397 / 30 أيلول 1977

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

ففي مسيرتنا مع ما نزل من أوائل كتاب الله تعالى نقف اليوم مع سورة الخامسة والثلاثين في سياق التنزيل ، ولئن أتيح لنا أن نبلغ بكم سورة الأعراف وهي الثامنة والثلاثون فنفرغ منها إننا إذًا لسعداء ، وسيكون بين يدي الإخوة من خلال هذا الاستعراض لبعض ما نزل من كتاب الله ذخيرة طيبة من الأفكار النافعة وصورة قريبة من الكمال لدعوة الإسلام في مراحلها الأولى ، وضوابط في ميدان العمل ومجالات التحرك تحول دون كثير من الخلط والالتباس ، والله تعالى هو المسؤول أن يسدد ويعين .

السورة الخامسة والثلاثون هي سورة الطارق ، وسبقها في الجمعة الماضية الحديث عن السورة الرابعة والثلاثين وهي سورة البلد ، وبعض الناس يوحد بين السورتين ولا حرج فموضوعاتهما متشابهة أو متساوقة في أكثر مواطنها .. والذي يستحضر أكثر سورة ( ق ) ثم البلد ثم الطارق فسيجد نفسه أمام طور له مواصفات خاصة من أطوار الدعوة الإسلامية ، وبطبيعة الحال فالوقت والطاقة لا يتسعان لشرح هذا ولست أجدني أنشط لهذا في الوقت الحاضر فنرضى بما قسم الله .

السورة تقول ( والسماء والطارق ، وما أدراك ما الطارق ، النجم الثاقب ) وينتهي القسم هنا ليساق الكلام على المقسم عليه ( إن كل نفس لمّا عليها حافظ ) ثم تمضي السورة نحو بيان شأن الإنسان هذا الطاغي الباغي المتكبر والمتجبر الجاهل بنفسه وبالذي حوله والمتشبع بما لم يعطَ وعريض الادعاء والدعوة ( فلينظر الإنسان ممَّ خلق ، خلق ممن ماء دافق ، يخرج من بين الصلب والترائب ، إنه على رجعه لقادر ، يوم تبلى السرائر ، فما له من قوة ولا ناصر ) ثم يأتي قسم آخر على موضوع آخر ( والسماء ذات الرجع ، والأرض ذات الصدع ، إنه لقول فصل ، وما هو بالهزل ) وبهذه الآيات القصيرة جدًا والكلام البالغ غاية حدود الوجازة والكثافة والاختصار يؤكد الله تعالى فرق ما بين القرآن الذي يتولوه على الناس محمد صلى الله عليه وسلم وبين ما يهرف به الناس من كلام يظنونه حقًا وهو باطل ، فإذا انتهى بهذا الشكل من الوجازة والاختصار سيق الكلام نحو قضية هامة ولها امتدادها في الزمان والمكان ( إنهم يكيدون كيدًا ، وأكيد كيدًا ، فمهّل الكافرين أمهلهم رويدًا ) وبهؤلاء الآيات الوجيزات كذلك تساق قضية من قضايا الحركة والعمل لعلها تكون أضخم القضايا وفي نفس الوقت أول ما يُنسى من قضايا الحركة والعمل من أجل الإسلام .

وكشأن عديد من الآيات التي مرت من قبل فالسورة مبدوءة بالقسم ، ولقد يجب أن ننبه باستمرار إلى حكمة القسم ، ففي الحالة العادية وفيما يتعاطاه الناي في الكلام فوظيفة القسم في اللغة معروفة ، إن القسم يشد الكلام ويؤكد المقسم عليه وإذا كان القسم صادرًا ممن يؤنس فيه الصدق ويُظن فيه الخير فإن القسم يأتي بمثابة جيش من الشهود ويغني غناء جيش من الشهود . وحين يأتي القسم من الله تعالى فمن بدائه الأمور أن الله تعالى أصدق القائلين ، لا تبديل لكلماته ولا خلف لوعده ، وهذا يعطي الكلام المقسم عليه قوة تأكيدية بالغة ، ولكن حس المسلم لا يحتاج مطلقًا إلى ما يؤكد له صدق الله تعالى ، فهذا الموضوع فوق الظنون والشبهات ، فإذًا للقسم فائدة أخرى يجب أن تغيب عن بال قارئ القرآن وهي إبراز شرف المقسم عليه وقيمته .

فالله تعالى أقسم بشخص رسوله عليه الصلاة والسلام فقال ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) وعلى لسان بعض خلقه أقسم بذاته الكريمة فقال على لسان إبراهيم عليه السلام ( وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ) وأقسم بمظاهر من مظاهر الكون وهذا وجه من وجوه الحكم في القسم غير داخل في إبراز شرف المقسم عليه ولكنه يتعلق بالمقسم به ويجب أن لا يتخطاه القارئ لكتاب الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت