فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 27345

والرياء من أعظم آفات العبودية إذ هو محبط للأعمال , هادم للأركان لو دخلت منه ذَرَّةٌ في العمل أفسدته , فهو من صفات المكذبين بالدين .

كما وصف الله حالهم منها: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) } [سورة الماعون: 6 ]

وهو أصل عند المنافقين فلا يعمل عملا إلا والأصل فيه الرياء , قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (142) } [ سورة النساء: 142 ]

وفي حديث الشفاعة الطويل [فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا ] . ( 1)

فآفة الرياء محبطة للأعمال , فربما يأتي العبد بطاعات , ويتعنى في عبادات من خير العبادات , فلما دخلها الرياء جعلها الله هباء منثورا , قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) } [ سورة الفرقان: 23 ]

وانظر إلى هؤلاء الأصناف الثلاثة الذين أتوا بأفضل الأعمال , ورغم ذلك دخلوا النار بل أول من يُقضى عليهم يوم القيامة ؛ فلمّا لم تكن لله عُذِّبوا بها .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ , فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا , قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ , قَالَ: كَذَبْتَ , وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ , فَقَدْ قِيلَ , ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ . وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ , وَقَرَأَ الْقُرْآنَ , فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا , قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ , وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ , قَالَ: كَذَبْتَ , وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ , وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ , فَقَدْ قِيلَ , ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ . وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ , فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا , قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ , قَالَ: كَذَبْتَ , وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ , فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ؛ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ . (2)

إن في مصير هؤلاء الثلاثة الأشقياء , لعبرة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد , ما بالهم وما الذي دهاهم ؟! أليس الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال ؟! أليس هو ذروة سنام الإسلام ؟! أليس للمجاهد في سبيل الله مائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ؟! أليس الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ؟! ويسرحون في الجنة حيث شاءوا ؟!.

أليس العلماء ورثة الأنبياء ؟ ألم يقل الله: { يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [سورة المجادلة: 11]

وهذا المتصدق المحسن الذي لا يترك سبيلًا يحبها الله إلا أنفق فيها , أليس الله يثيب على الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ؟.

فما الذي أصابهم وجعلهم أول من يقضى عليه ويقذف به في نار جنهم - أعاذنا الله من هذا المصير -.

لقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب مصيرهم هذا , وهو أنهم لم يخلصوا لله في هذه الأعمال التي تبدو للناس أنها عظمية ، ولم يريدوا بها وجه الله. بل كانت مقاصدهم سيئة وأغراضهم فاسدة , هو حب الثناء من الناس والمدح والإطراء.

فلم يرد ذلك المجاهد وجه الله , ولا إعلاء كلمة الله , إنما أراد بذلك نفسه , وأحب أن يعلو صيته , ويشتهر بين الناس بالشجاعة والإقدام , وقد حصل ذلك فكان جزاؤه في الدنيا ، أما في الآخرة فكان جزاؤه أن يفضح , وتكشف سريرته ثم يقذف في النار .

وأما العالم فلم يطلب العلم لله ليتفقه في دينه , ويعلم ما يجب لله ولكتابه ولرسوله وللناس فيؤديه ، ولم يُعَلِّم الناس لوجه الله يرجو ثواب نشر العلم والدعوة إلى الله , إنما ليقال: فلانٌ عالمٌ أو قارئٌ , فكان جزاؤه أن تفضح نواياه , ويهتك ستره يوم القيامة جزاء سوء قصده ؛ ثم يلقى في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت