د. عبدالله الصبيح 29/4/1427
تتميز التصورات الكلية في الإسلام بكمالها وشمولها واستغنائها عن سواها من النظم الأخرى. ومن ذلك النظام السياسي الذي تشترط فيه الشريعة الإسلامية أن يقوم على أسس محددة، ومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) . [الحج:41] . ومنها قوله تعالى واصفا للمؤمنين: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: من الآية38] . وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) . [النساء: من الآية58] .
وخلط أي نظام في الإسلام مع نظام آخر من غيره هو إخراج له عن حقيقته الإسلامية، أما تطوير التفاصيل والصيغ العملية مع المحافظة على روح النظام ومقاصده فلا شيء فيه، بل هو مما تركته الشريعة للناس ليجتهدوا فيه حسب معطيات عصرهم، فهو من مواطن الاجتهاد التي يُحمد لهم أن يجتهدوا فيها ويُغفر لهم ما أخطؤوا فيه.
والمفاهيم سواء في الإسلام أو في غيره من الأديان والحضارات إنما ترجع إلى إطار معرفي أو (paradigm) في الدين الذي تنتمي إليه، والتلفيق بين المفاهيم المأخوذة من أطر معرفية مختلفة ومتناقضة ينتج عنه لبس في المفهوم الملفق وجور على الإطار المعرفي نفسه.
مثلًا الدولة في الحضارة الغربية يمكن أن تُوصف بأنها مدنية (civil state) أو دينية (theocratic state) ، وهذا الوصف له أصوله الفلسفية، وله خلفيته التاريخية الخاصة بالحضارة التي نشأت فيها المصطلحات. الدولة المدنية في التصور الغربي هي نقيض الدولة الدينية، وكلاهما يعكسان إشكالية كان يعيشها المجتمع الغربي في فترة مضت، ولاعلاقة للمفهومين بالنظام السياسي في الإسلام البتة. الدولة الدينية في الحضارة الغربية تعني تحديدًا سلطة الكنيسة، وأن الحاكم إنما يعبر عن إرادة الله -عزوجل- ولا يحق لأحد مراجعته، وعلى الشعب التسليم بما يصدر عنه من قرارات، وهي بهذا تستبعد سلطة الشعب في محاسبة الحاكم ومراقبة أدائه. والدولة المدنية نقيض ذلك تمامًا فهي تؤكد سلطة الشعب أو سلطة الإنسان، وترفض أي سلطة خارج ذلك بما في ذلك سلطة الدين أو الكنيسة.
ووصف الدولة في الإسلام بأنها دولة مدنية أو دينية (ثيوقراطية) هو في الحقيقة وصف لها بغير ماهي به. إنها مع وجود مرجعيتها الدينية توجب على الشعب محاسبة الحاكم ومراقبة أدائه، وتعد ذلك من النصيحة الواجبة على المسلم لحاكمه. والمرجعية الدينية في الدولة الإسلامية نختلف عن المرجعية الدينية في المفهوم الغربي. المرجعية الدينية في الدولة الإسلامية تعني مرجعية القرآن والسنة، وهما ميسران لكل أحد، وبهذا يحق لكل فرد أن يراجع المفتي أو يراجع الحاكم، ويطالبه بمستنده الشرعي ويراجعه فيه، وهي بهذا مرجعية موضوعية (objective) ميسرة لكل أحد. وهذا يختلف عن مفهوم المرجعية الدينية في الحكومة الدينية في الحضارة الغربية؛ ذلك أنها قائمة على الإلهام (inspiration) ومايقذفه الله في قلب البابا أو الحاكم، فهي مرجعية شخصية (subjective) ترتبط بشخص الحاكم. وهذا النوع من المعرفة يُعدّ في الإسلام هرطقة وضلالًا، ولايمكن أن يكون معرفة دينية منسوبة لله عزوجل.
ومن يصف الدولة في الإسلام بأنها دولة دينية مشبّهًا لها بالدولة الدينية التي نشأت في أوروبا يقع في الحقيقة في خطأ عظيم، فهو مع افتراض حسن نيته يسيء إلى مفهوم الدولة في الإسلام بعرضه على غير حقيقته وتلبيسه بسواه.
والدولة الدينية في أوروبا دولة سيئة السمعة ارتبطت في تاريخها بالاستبداد والتسلط وظلم الناس. بينما الدولة في الإسلام بخلاف ذلك، هي دولة يأمن فيها الخائف وينتصف فيها المظلوم ويُقام فيها العدل.
ومن وصف الدولة الإسلامية بأنها دولة مدنية وقع في خطأ لايقل عن الخطأ الأول، ذلك أن الدولة المدنية الحديثة تنكر حق الله في التشريع، وتجعله حقًا مختصًا بالناس، وهذا بخلاف الدولة الإسلامية، بل إن هذا يخرجها عن كونها إسلامية، ويُسمّى هذا النوع من الحكم في الإسلام بحكم الطاغوت. وكل حكم سوى حكم الله هو طاغوت.
إن تحرير المصطلحات ومراعاة مرجعياتها المعرفية ضرورة يقتضيها استقلال المرجعيات المعرفية عن بعضها البعض.