فهرس الكتاب

الصفحة 13291 من 27345

الشيخ سعد بن عبد الله السعدان

التفسير علمٌ عظيم الشأن، جليل القدر، لا يستطيعه إلا من فتح الله قلبه وأنار بصيرته، ورزقه العلم والفهم، والتفسير مأخوذٌ من الفَسْر وهو: الكشف والإظهار (1) ، وفي الاصطلاح: علم يفهم به كتاب الله - تعالى -المنزّل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحِكَمه (2) .

ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أصحابه كان هو المرجع في تبيين الكتاب العزيز، فما أشكل عليهم أو احتاجوا لبيان وتفسير آيات من القرآن هرعوا إليه وسألوه؟ فبيّن وفسّر لهم ما سألوا عنه بكلام وتفسير شاف. وبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - واتساع البلاد ودخول الناس في الإسلام، ودخول العُجمة، احتاج المسلمون لشرح ما لم يكن الصحابة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحاجة إلى شرحه من الكتاب والسنة، فتوجهوا إلى الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لسؤالهم والاستيضاح منهم.

أهمية تفسير الصحابة:

تظهر لنا أهمية تفسير الصحابة للقرآن إذا علمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، ولا يحصل البيان والبلاغ المقصود إلا بذلك، قال - تعالى:"لتبين للناس ما نزل إليهم" {النحل: 44} ، وقال:"هذا بيان للناس" {آل عمران: 138} ، وقال - تعالى:"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" {إبراهيم: 4} ، وقال - تعالى:"فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون" {الدخان: 58} ، وقال - تعالى:"كتاب فصلت آياته" {فصلت: 3} ، أي: بينت، وأزيل عنها الإجمال فلو كانت آياته مجملة، لم تكن قد فصلت، وقال - تعالى:"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" {العنكبوت: 18} .

وهذا يتضمن بلاغ المعنى، وأنه في أعلى درجات البيان وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي - أحد أكابر التابعين، الذين أخذوا القرآن ومعانيه، عن مثل: عبد الله بن مسعود، وعثمان ابن عفان، وتلك الطبقة:"حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا القرآن والعمل (3) ."

فالصحابة أخذوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألفاظ القرآن ومعانيه، بل كانت عنايتهم بأخذ المعاني من عنايتهم بالألفاظ، يأخذون المعاني أولًا، ثم يأخذون الألفاظ، ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ عنهم (4) .

وكذا إذا علمنا أن الصحابة قد سمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه من الأحوال المشاهدة، وعلموا بلقوبهم من مقاصده، ودعوته، ما يوجب فهم ما أراد بكلامه، ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه، فليس من سمع وعلم ورأى حال المتكلم، كمن كان غائبًا، لم ير، ولم يسمع، وعلم بواسطة، أو وسائط كثيرة.

وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم كان الرجوع إليهم في ذلك دون غيرهم متعينًا قطعًا.

ولهذا كان اعتقاد الفرقة الناجية هو: ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، كما شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، في قوله:"من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" (5) .

خصائص الصحابة:

اختص الصحابة عن غيرهم بأمور منها:

1-ظفرهم بشريف الصحبة، والخيرية المطلقة، وفي الحديث"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم"، وهذه خيرية مثمرة، وليست خيرية شرف فقط.

2-مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون مالا يدركه غيرهم، بسبب ذلك، والشاهد يرى، مالا يرى الغائب (6) .

3-عاصروا وشهدوا ما قبل الوحي، أي الجاهلية، والقرآن جاء ليهدم الجاهلية"إنما النسيء زيادة في الكفر" {التوبة: 37} .

4-مصاحبتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وملازمتهم له، والتتلمذ على يديه، والتعلم منه مباشرة، وسؤاله لكل ما يدور بينهم.

5-أنهم عرب خلص، وهي كافية عن غيرها، والقرآن نزل بلغتهم. حتى إن اليهود كانوا يجيدون العربية، ويقولون الشعر أيضًا.

وهناك صفات اشترك فيها الصحابة مع غيرهم، كالصدق في القول، والتثبت في نقل الأخبار، والحرص على نشر العلم، والخروج في سبيل الله. وهي تدخل في الخيرية.

موقع تفسير الصحابة:

تفسير الصحابة مقدم على تفسير غيرهم لما تقدم من الأمور الخمسة ويكفي أحدها. ولاشك أننا إذا لم نجد تفسيرًا في الكتاب والسنة نتجه لتفسير الصحابة.

-ولابد من إخراج ما كان خارج دائرة الاجتهاد، فنخرج:

1-ما كان في حكم المرفوع.

2-أسباب النزول.

وهو مما لا مجال للاجتهاد فيه.

ويلحظ أن تفسير الصحابة أصابه ما أصاب غيره من التفسير المرفوع، وذلك من الوضع في الحديث وخلافه.

أسباب قلة اختلاف الصحابة في التفسير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت