فهرس الكتاب

الصفحة 16554 من 27345

زواج بنية الطلاق !

الحمد لله على نعمائة ، و الصلاة و السلام على نبيه محمدٍ و آله ، و بعد ..

فإن عقد زواج الرجل الذي بيَّت نية تطليق زوجته إذا قضى منها وطرًا ، بعد زمن محدد أو غير محدد من طرفه ، دون إشعار الزوجة بذلك ، و لا الاتفاق معها عليه ، عقد شرعي صحيح ، و إن تلبس بالحرمة بسبب ما فيه من كذب و غش و خداع و ظلم محرم .

و قد يستغرب البعض قولنا: إن العقد صحيح ، مع قولنا: إن فيه من الكذب و الغش و الخداع و الظلم المحرم ما يأثم صاحبه عليه ، و لا تبرأ ذمته منه إلا بتوبةٍ و إباحة .

و بيان ذلك: أن صحة العقد مترتبة على قيام أركانه و توفر شروطه ، و هي:

أولًا: الإيجاب و القبول من الطرفين ، و المقصود به اتفاق رغبتيهما على الزواج وفق ما بينهما من شروط ، و مهر مسمى .

ثانيًا: موافقة ولي الزوجة ، و هو شرط عند جمهور العلماء .

ثالثًا: تسمية ( تحديد مقدار ) المهر المدفوع للزوجة ، أو الثابت لها في ذمة الزوج .

رابعًا: إعلان الزواج و إشهاره ، و أقل ما يتم الإعلان به إشهاد ذَوَيْ عدل على العقد .

فأيما عقد قران استوفى هذه الشروط فهو عقد صحيح ، و المراد بكونه صحيحًا أن تترتب عليه آثاره الشرعية ، و لا يخرجه عن الصحة ارتكاب أحد طرفيه أمرًا محرمًا كالغش و التغرير و نحو ذلك ، بل يظل العقد صحيحًا ، و يبوء الآثم بإثم ما اقترف .

و عليه فإن الرجل الذي تزوج مبيتًا نية التطليق ، و العزم عليه عاجلًا أو آجلًا تلزمه آثار عقد النكاح ديانةً و قضاءًا ، و من أهمها:

• إلحاق أبنائة من ذلك النكاح به نسبًا .

• إلزامه بالنفقة و السكنى و سائر ما أوجبه عليه الشارع تجاه أبنائة ، و زوجته ما دامت في عصمته ، أو عدَّةِ طلاقها منه .

• لزوجته النفقة و عليها العدة إذا طلقها ، و لها مع ذلك حقها من إرثه إن مات قبل أن يطلقها .

و هذه الأمور و غيرها مما أوجبه الشارع الحكيم سبحانه لا تجب إلا من عقد صحيح ، و لا أعلم أحدًا من أهل العلم لم يثبتها في زواج من بيَّت نية الطلاق قبل الزواج ، فلزِمَ أن يكون عقدًا صحيحًا .

بل المعروف عن جمهور العلماء ( من أتباع المذاهب الأربعة و غيرهم ) رحمهم الله تعالى هو القول بصحة هذا النكاح فقد جاء في [ فتح القدير في الفقه الحنفي ، ص: 349 ] قول الكمال بن الهمام رحمه الله: ( لو تزوج المرأة و في نيته أن يقعد معها مدة نواها صحَّ ، لأن التوقيت إنما يكون باللفظ ) .

و قال الإمام الباجي المالكي رحمه الله [ في المنتقى بشرح موطأ الإمام مالك: 3 / 355 ] : ( من تزوج امرأةً لا يريد إمساكها ، إلا إنه يريد أن يستمتع بها مدةً ثم يفارقها ، فقد روى محمد عن مالك أن ذلك جائز ) .

أما عند الشافعية فقد جاء [ في حاشية الشبراملسي على شرح المنهاج: 6 / 210 ] : ( أما لو توافقا عليه قبل و لم يتعرضا له في العقد لم يضر لكن ينبغي كراهته ) و [ في نهاية المحتاج: 6 / 277 ] : ( خرج بذلك إضماره ، فلا يؤثر و إن تواتطآ قبل العقد عليه . نعم ، يُكره إذ كل ما لو صرح به أبطل يكون إضماره مكروهًا ، نص عليه ) .

و قال الإمام النووي رحمه الله: ( قال القاضي: و أجمعوا على أن من نكح نكاحًا مطلقًا و نيَّتُه أن لا يمكث معها إلا مدة نواها فنكاحه صحيح حلال ، و ليس نكاح متعة. و إنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور. و لكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس . و شذ الأوزاعي ، فقال: هو نكاح متعة و لا خير فيه ) [ شرح صحيح مسلم: 9/182 ] .

و انظر نحو ذلك في [ الحاوي ، للماوردي: 9 / 333 ] و [ مغني المحتاج ، للشربيني: 3/183 ] .

و من الحنابلة قال محقق المذهب الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله [ كما في المغني مع الشرح الكبير: 7 / 573 ] : ( و إن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم ، إلا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة . و الصحيح: أنه لا بأس به ، و لا تضر نيته ، و ليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته ، و حسبه إن وافقته و إلا طلقها ) .

و قد أسهب في تحرير هذه المسألة ، و أطال النفس في الانتصار إلى ما ذهب إليه الجمهور من تصحيح نكاح من نوى الطلاق ما لم يشترطه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، فارجع إليه و انظره محتسبًا [ في مجموع الفتاوى: 32 / 147 ] .

و لا يحسبن أحدٌ أننا إذ نفتي بصحة عقد الناكح يريد الطلاق أننا نحل نكاح المتعة ، أو ندعو لخفر الذمم ، و نقض العهود !

لا و الله ، و معاذ الله ، فنكاح المتعة ثبت تحريمه بما لا لبس فيه من نصوص السنة النبوية ، ثم انعقد إجماع أهل العلم على تحريمه ، فكان هذا كافيًا في تحريمه ، و التحذير منه شرعًا ، أما الزواج بنية الطلاق فلا دليل على حرمته أصلًا ، و لا ذكر له - على التخصيص - في نصوص الشريعة المطهرة أساسًا .

و لا يخفى ما بين نكاح المتعة و النكاح بنية الطلاق من فوارق من أبرزها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت