تناول الدرس اهتمام الشريعة بالتحاب بين المؤمنين وسلامة صدور بعضهم لبعض، وتكلم عن القلب السليم وما هي صفته، وإصلاح ذات البين، ثم ذكر أهمية سلامة الصدور، ثم ذكر حرص الصحابة على سلامة صدور بعضهم لبعض ونماذج من ذلك، ثم ذكر مفاسد الشحناء والتباغض .
جاءت هذه الشريعة بالأمر بالتحاب بين المؤمنين وسلامة صدور بعضهم لبعض: [ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا] رواه البخاري ومسلم وحرمت الشريعة كل أمر فيه إيذاء لهذه الرابطة، وإن من علامات الإيمان سلامة القلب للمؤمنين، وأن يكون قلب الإنسان سليمًا؛ لأن صاحب القلب السليم هو الذي ينجو يوم الدين: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ [88] إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [89] سورة الشعراء .
القلب السليم: هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرئاسة، فسلم من آفة تبعده عن الله، ومن كل شبهة تعارض خبر الله، ومن شهوة تعارض أمر الله، وسلم من كل إرادة تزاحم مراد الله، وسلم من كل قاطع، يقطع عن الله.
إصلاح ذات البين: جاءت به الشريعة؛ لأجل أن تكون العلاقة بين المؤمنين على أحسن ما يمكن، وأمر الله تعالى بإصلاح ذات البين؛ لأجل حفظ سلامة الصدور، فقال الله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [1] سورة الأنفال .
سلامة الصدر مطلب شرعي: وجاءت الشريعة بكل الأمور التي تكفل سلامة صدر المسلم لأخيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:' أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ " رواه مسلم وأبوداود والترمذي وابن ماجه وأحمد . كل هذه الإجراءات لسلامة الصدور، سلامة الصدر مطلب شرعي،و قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ قَالَ:"كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ" قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ قَالَ:" هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ"رواه ابن ماجه وهو حديث صحيح.لقد كثر اليوم في الناس الشحناء، وصارت الأحقاد في القلوب كثيرة، لقد صرنا نجد تقطع العلاقات وتجهم الوجوه، وحمل الناس في قلوب بعضهم على بعض، مع أن هذه الشريعة قد جاءت فيما جاءت به بـ: تصفية القلوب والنفوس ومراعاة المشاعر، وقد قال الله: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ... [28] {سورة النور علم الله تعالى أن بعض الناس إذا استأذن، فلم يؤذن له، وقيل له: ارجع أنه قد يجد في نفسه على أخيه صاحب البيت، فقال الله معزيًا ومسليًا حتى يرجع المؤمن ونفسه راضية على أخيه المؤمن: قال: } وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ... [28] {سورة النور . فسلّاه وعزّاه بالتزكية التي تحصل له في قلبه إذا رجع لمّا يقال له: ارجع، ولذلك كان بعض السلف يفرح إذا قيل له: ارجع ولم يؤذن له بالدخول؛ لأنه يريد موعود الله بحصول التزكية التي وعدها الله:} هُوَ أَزْكَى لَكُمْ .
سلامة الصدور نعمة من النعم: التي توهب لأهل الجنة حيثما يدخلونها . قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [47] سورة الحجر .فأهل الجنة لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا كما جاء في صحيح البخاري .
فسلامة الصدر طهارته من الغل والحقد للمسلم، وهذه راحة ونعمة؛ ولذلك أكدت عليها الشريعة؛ حتى يعيش الناس في بحبوحة من أمرهم، وفي سلامة وعافية ، وهذه مسألة صعبة ولا شك، فإن الإنسان قد يحسن مكابدة الليل وقيامه ؛ ولكنه قد لا يستطيع أن يزيل من قلبه كل شئ فيه على إخوانه .
سلامة الصدر من أخلاق العلماء: وقد وصف العلماء رحمهم الله أخلاق أهل العلم، فقالوا:' لا مداهن ولا مشاحن ولا مختال ولا حسود ولا حقود ولا سفيه ولا جاف ولا فظ ولا غليظ ولا طعَّان ولا لعَّان ولا مغتاب ولا سبَّاب، يخالط من الإخوان من عاونه على طاعة ربه ونهاه عما يغضب مولاه ، ويخالط بالجميل من لا يأمن شره إبقاء على دينه، سليم القلب للعباد من الغل والحسد، يغلب على قلبه حسن الظن بالمؤمنين في كل ما أمكن فيه العذر، لا يحب زوال النعم على أحد من العباد' هذا دأب طالب العلم، والداعية إلى الله ، والمتمسك بالدين هذا حاله، وهذا خلقه . لقد أثنى الله على الأنصار لأمر مهم في غاية الأهمية قال عز وجل: وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا... [9] سورة الحشر أي: مما أوتي إخوانهم المهاجرون من الفضل، فلم يعترضوا على تفضيلهم، ولم يحسدوهم على ما أتاهم الله من فضله .