فهرس الكتاب

الصفحة 16932 من 27345

هيثم الحداد*

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد، فقد سألني بعض الاخوة عن جواب لشبهة نسبها إلى بعض الدعاة، الذين لا نشك في إخلاصهم وحماسهم، لكن لا نستبعد أن تكون هذه الشبهة قد دخلت عليهم من عدم تخصصهم في العلم الشرعي، هذا إن صحت النسبة له، حيث يقول:

إن تخصيص يوم ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة زائدة، لا سيما الصيام، أمر مشروع، دل عليه حديث أبى قتادة حينما سُئِلَ النبي عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ قَالَ ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ، رواه مسلم، وغيره.

فذكر أن علة الصيام هي كون النبي ولد فيه، وبعث فيه، فجعل مناط تخصيصه بعبادة زائدة، كونه يوم ميلاده، ويوم مبعثه، وبما أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلا شك أن تخصيص يوم ميلاد النبي بعبادة زائدة، لا سيما الصيام، أمر أقل ما يقال فيه إنه مشروع، ثم نسب لهذا الداعية أنه لا يقر الموالد التي تعمل في بعض البلاد العربية، والاحتفالات التي تقام من أجل هذه المناسبة، كما لا يقر ما يجري فيها من منكرات ,, فحصر الخطأ في هذا، مما يهيئ القارئ أو المستمع لقبول رأيه، فليس هو من الذين يقرون الموالد، لكنه متوسط القول، مستدل بالأدلة .

والجواب على هذه الشبهة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد،

فلا شك أن هذه الشبهة، قوية أمام من لم يتسلح بسلاح العلم الشرعي، لا سيما طرق الاستدلال، وطرائق الاستنباط، والتي تدرس في أصول الفقه، ولهذا فإننا ننصح طلبة العلم دائمًا، بالتعمق في دراسة أصول الفقه، الذي يورث الإنسان بتوفيق الله منهجًا معتدلًا في النظر والاستدلال.

أما من تضلع من أصول الفقه، وفهم طرق الاستدلال، فإن هذه الشبهة ستتهاوى أمامه بمجرد النظر إليها، وهذا بيان ذلك:

أولا: إن النبي سئل عن صيام يوم الاثنين، ولم يسأل عن صيام يوم الثاني عشر من ربيع الأول، فالعلة إذًا: تخصيص يوم الاثنين، بالصيام، وليس تخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول بالصيام، ولهذا فإن النبي نفسه وهو المشرّع، لم يخصص يوم الثاني عشر بالصيام، بل خصص يوم الاثنين بالصيام، وفرق كبير بين السببين، فالصواب أن العلة هي كون يوم الاثنين، يوم مولده، ويوم بعثه فيه، ويوم إنزال القرآن عليه.

ثانيا: فلو قال قائل: فأنتم تقرون بأن النبي نظر إلى ميلاده، واعتبره مؤثرًا في الحكم، حيث قال: ذلك يوم ولدت فيه، فنقول، نعم هذا صواب، لقد نظر إلى يوم ميلاده وجعله مؤثرًا في الحكم، ولكن بقي النظر في يوم الميلاد ما هو، هل هو الاثنين، أم الثاني عشر من ربيع الأول، ولا شك أن النبي جعل الميزة لكونه يوم الاثنين، لا لكونه الثاني عشر من ربيع الأول، ولو نظر النبي للأخير، لخصّه عينَه بذلك الصيام، ولرأينا النبي يتحرى في كل سنة شهر ربيع الأول، بل يتحرى يوم الثاني عشر منه، بصرف النظر، هل كان يوم اثنين، أو جمعة، أو غيرها، وهذا لم يرد، حسب ما قرأنا، في حديث صحيح، بل ولا وضعيف أيضا.

ومما يؤكد هذا، أن العلماء أنفسهم، اختلفوا في تحديد يوم مولده، فقيل هو يوم الثاني، أو الثامن، أو العاشر، أو الثاني عشر، أو السابع عشر، إلى غير ذلك من الأقوال التي حكاها جمع من أهل العلم، منهم الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية والقسطلاني في المواهب اللدنية.

وهذا الاختلاف الكبير في تاريخ المولد دليل قطعي على أن النبي وأصحابه لم يعيروا هذا اليوم أي اهتمام عندما تمر كل سنة، فضلا عن أن يخصها النبي أو أصحابه بمزيد عباده.

ثالثا: أن النبي لما بين سبب صيامه لذلك اليوم، جعل السبب أو العلة مركبة، فقال (قَالَ ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) فذكر ثلاثة أسباب، أو بتعبير أصولي، ذكر علة مركبة من ثلاث أوصاف، ميلاده، ومبعثه، وإنزال القرآن، والصواب صحة التعليل بالعلة المركبة، وأنها لا تؤثر إلا إذا اجتمعت الأوصاف المركبة منها كلها، وعندئذ فلا تجتمع هذه الأوصاف لتكون علة الحكم إلا في يوم الاثنين، فلا تنطبق البتة على يوم الثاني عشر من ربيع الأول، فإنزال القرآن حدث في ليلة القدر، من شهر رمضان المبارك، بالإجماع كما هو نص القرآن، فهي علة قاصرة على هذا اليوم، فلا تتعدى إلى غيره.

ثالثا: أن النبي سئل عن صيامه، فأجاب، فالحكم إذًا الصيام، والعلة، هي اجتماع الأوصاف الثلاثة، فهل يقاس غير الصيام على الصيام، بمعنى هل يخص يوم الاثنين بعبادة غير الصيام؟ محل نظر، لكن هذا خارج موطن بحثنا، فالشبهة لا تتعلق بتخصيص يوم الاثنين، بل بتخصيص يوم الميلاد، أعني المناسبة السنوية، فلا ينسحب حكم هذا على هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت