الاتصال في عالم الغيب عصام يوسف بدري*
مقدمة:
الحياة حركة مستمرة لا تنقطع على مدار اليوم والليلة وتشترك فيها وتتواصل مكوناتها المختلفة في علاقة تبادلية وأدوار متناسقة وإيقاع متناغم تجد فيها القلوب الموصولة بالله عز وجل شواهد تزداد بها إيمانًا ويقينًا، أنه لا مكان ثَمّ لصدفة أو عبث، بل قصد وتدبير: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) .
قصد وتدبير في خلق الإنسان على هيئته وتكوينه ووظائف أعضائه والعلاقة التي لا تنفصم بينها واتصالها المستمر في غير ما انقطاع: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) .
قصد وتدبير في الكون وما فيه من مظاهر الحياة وما استودع فيه من معيناتها تعود بكرًا كلما طمسها الإنسان انتفاعًا مشروعًا بما فيها فهي له وهو لها: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، وجعل الله عز وجل الكون وما فيه مسخرًا للإنسان يعمل فيه وسائل اتصاله وأسباب تواصله لإعمار الكون وما فيه مستصحبًا بصيرة نافذة وبصرًا فاحصًا وفكرًا ثاقبًا: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ . وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) ، (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) .
فهو - أي الإنسان - إذ ذاك يتجاوز باتصاله وتواصله الماديات والحسيات من حوله وينخلع من ربقة المكان والزمان ويسبح في عالم آخر يراه بقلبه ويتصل به: ( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .
الله سبحانه وتعالى هو الغاية والعبودية هي مدار مدار الاستخلاف والاتصال والتواصل أداة الاستكناه ووسيلة المعرفة وسبر الغور والشقي من كان في زمرة: ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا
الميثاق:
الله عز وجل خلق كل شيء ولا أحد سواه قادر على خلق شيء: ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ) ، لأنهم أنفسهم خلق الله عز وجل الخالق: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) ، فأنى لمخلوق أن يكون خالقًا وهو الذي يعيه ذبابًا أن يخلقه.. وماءً من المزن أن ينزله.. وحرثًا من الأرض أن يزرعه.. ونارًا وقودها شجر من أن ينشئه وماءً دافقًا فيه بذرة الحياة ومبتدأ النشأة أن يخلقه: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ . أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُون . نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ) .
وعندما يتكبر الإنسان ويكابر يلقى عقله ينظر بعينين مغمضتين ويظن بنفسه الظنون لا يستحيي أن يقول بلسان غير عقول: ( أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) ، يقتل رجلًا ويعفو عن آخر!! حجة داحضة وبله أبلج كل حمقى الأرض عيال عليه... وحتى مقام البله والحمق لم يستطيعا له احتمالًا وتنفسا الصعداء وهو يخر صريعًا من سنامهما تطيح به أشعة شمس عجز أن يأتي بها من المغرب: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
لقد بين الله سبحانه وتعالى أنه ما خلق الكون وما فيه إلا لعبادته: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، غاية لا يتخلف مخلوق عن مقصدها: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (سورة الحديد: 1) ، ( وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) ، ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) .وعند مبيتدأ الخلق أخذ سبحانه وتعالى من بني آدم الميثاق على ذلك: ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) .
ميثاق الخلق والمنشأ..وميثاق المنهاج والمسير..وميثاق المآل والمصير..وأسدل ستار الغيب ووريت حجبه ووزعت كراسة التعليمات ومعينات التواصل مع عالم الغيب.